هل هناك ولي أمر سويٌّ في الدنيا لا يحلم أن يرى ابنه وفلذة كبده يتقلّد أعلى المناصب ويصل إلى مرتفعٍ شاهقٍ من المعالي لم يصل إليه؟ وهل هناك وليُّ أمر لم يحلم نيابةً عن طفله الصغير وهو يلاعبه ويفكّر في مستقبله ويخططّ له وطفله لا يستطيع المشي بعدُ؟ بل هل هناك من وليِّ أمرٍ لم يفكر مئة مرّة في المدرسة التي يجب أن يدخلها أبناؤه وبناته فتراه يقوم بتقييمها بنفسه ويبحث عن طُرُقها التعليمية وسمعتها بين الناس حتى يطمئن بأن أولاده الصغار في مأمنٍ وسوف يحصلون على أفضل الدرجات العلمية التي تؤهلهم للدخول لأرقى الجامعات ولا يبالي من أجلهم وإن أثقل كاهله الديْن؟ هذه حقيقة لا يمكن الشك في مصداقيتها، فأطفالنا يكبرون بين أعيننا وتكبر معهم أحلامنا وآمالنا وما نحن إلا كما قال حطّان بن المعلّى:
وإنما أولادُنا بيننـا
أكبادُنا تمـشي على الأرضِ
لو هَبّتِ الريحُ على بعضهم
لامتنعتْ عيني من الغَمْضِ
ومن هذه الأحلام الجميلة التي تمتزج بالخوف على أولادنا يحرص أولياء الأمور إلى توجيه أبنائهم الطلبة لما فيه مصلحةٌ لهم وتيسيرٌ لأمور حياتهم في الجامعات ثم في مجال الأعمال بعد ذلك، ولهذا لا يتردد أحدنا في حثّ هذه العقول الصغيرة للغات الأجنبية متناسين لغتنا وهُويتنا، بل نعمد إلى حشوها بحب اللغة الإنجليزية وتفخيم قدرها في قلوبهم فينشأ الطالب منهم على الإذعان لهيمنتها والتسليم بأنّها مستقبله الكبير وبدونها لن يصل إلى شيءٍ مما يحلم به.
هذه الزراعة التي نزرعها اليوم وكل يوم في قلوب الأطفال لا تُبقي مساحةً لتقدير لغتهم الأم "العربية"، وكيف يمكنهم ذلك وكل الطرُق تؤدي إلى الإنجليزية وليس ثمّة طريق واحد يؤدي إلى لغة أجدادنا وأمجادنا وعزّنا لغة الكتاب العزيز.
وإذا علمنا بأننا لا نفكّر في تعليم العربية أصلا ولا ننظر إليها بأنها مفيدة للعمل والعلم ولا نغرس حبها منذ البداية في قلوب الناشئة، فماذا يفيد تغيير مناهج تعليمها في المدارس وإقامة المؤتمرات وكتابة التقارير - مع شكري لجهود كل المساهمين لرفعة لغتنا- لأنّ مصيبة لغتنا ليست في مناهجها ولكن في القرار الجماعي الذي اتخذه مجتمعنا بتهميشها وجعلها بلا هُويةٍ ولا مستقبل في هذه البلاد لولا أن تداركها الله بنخوة شيوخنا الكرام وعلى رأسهم رئيس الدولة ونائبه حفظهما الله تعالى.
وأقول لكم: يا أيها المدافعون عن لغتنا الخالدة إنّ العربية تتحطم بل تحطمت على صخور الجامعات وأسواق العمل، فمتى نفيق من هذا الكابوس المخيف الذي نحن فيه؟ ومتى يلغى قرار 2003 غير المعلن من وزارة التعليم العالي الذي جعل من الإنجليزية لغةً للدراسة في جامعات دولتنا العربية العريقة في العروبة.. متى؟ وللمقالة بقية.