قبل أن أجيب عن سؤال أمس أود أن أدندن حول سؤالٍ سألنيه أحد الأخوة لماذا نسمي مثل هذا الأدب البليغ العريق في الفصاحة بالأدب الجاهلي؟ والجواب: إنّ أهل النقد قديما كانوا يذكرون الشعر الجاهليّ والإسلاميّ من باب التفرقة ما بين عصرين، وقد ذكر الله عزّ وجل الجاهلية أربع مرات في محكم تنزيله ومنه تمّ تسمية هذا العصر بالجاهلية فنُسبت أشعاره إليها، ولم يعرف العلماء مصطلح الأدب الجاهلي إلا في العصر الحديث عندما بدأت الدراسات النقدية الحديثة للأدب العربي وبدأوا في دراسة الشعر والنثر الجاهلي على أسُسٍ نقدية مترجمة من مدارس نقدية غربية، فاخترعوا لها هذا المصطلح الحديث وقالوا: "الأدب الجاهلي".
وأعود بكم أيها الأعزاء إلى سؤالي حول الأدب الجاهلي هل كان سبباً في نفرة طلبتنا عن علوم العربية أم كان سبباً في تعلّقهم بها ورغّبهم في كشف غامضها ومعرفة مفرداتها وأسلوب حياة الشعراء الجاهليين؟
قلتُ: التجربة أفضل برهان، ولهذا سأخبركم عن نفسي أولا ثم أسوق لكم ما قرأته من تغريدات الأخوات والإخوة في مقهى "تويتر" العالمي، فأقول: يرجع الفضل في تعلقي بالعربية إلى الله ثم إلى المعلقات التي سحرتني وجعلتني أعود إلى ذلك التاريخ القديم وشعرت كأنّي مع امرئ القيس وهو يصف الليل والوادي الذي غمرته السيول ورأيته عند الغدير وهو يركب الهودج مع حبيبته، ونظرت إلى عنترة عندما تذكر ثغر عبلة في وقت الشدة والمحنة لأنّ السيوف برقت كمثل بريق ثغرها، ولا أزال أحمل هذه المشاعر الأولى التي أسرتني بل هي فتنة لغتنا الساحرة وإن لم أكن أفهم بعض معانيها ولكنها سلبت فؤادي وتركتني هائماً متيماً بها، هذا ما فعل بي الشعر الجاهلي وأنا في أول عمري.
أما المغردون في " تويتر" فسأنقل لكم ما أجابوا به عن سؤالي حول الأدب الجاهلي لتعلموا أنّني لست وحيداً في أهمية تعليم الأدب الجاهلي في بداية التعليم لتزيد فصاحة الصغار ولتتوسع مداركهم كما وقع لي ولغيري.
تقول الأخت آمنة عن تجربة شخصية: ليس هناك أي صعوبة في دراسة الأدب العربي القديم بل بالعكس ممتعة تلك الدراسة.
وقال الأخ سلطان يعقوب: مصطلحات عربية نضطر للبحث عن معانيها فنكسب تعلم جمال اللغة العربية، نراها بالأدب القديم لذلك هي تعيش ونتداولها إلي اليوم. وقال الأخ جابر: بالعكس كان الأدب عالماً جديدا مثيرا وممتعاً فتح لنا أبوابا جديدة للقراءة والمعرفة ووسع آفاقنا كثيرا.
هذه بعض الردود التي وصلتني وكانت كثيرة وكلها تؤكد أن الأدب الجاهلي هو ما حببهم في اللغة وليس العكس كما يدعي بعضهم من دون تجربة ولا خبرة سابقة.
والسؤال الذي أطرحه عليكم اليوم: إذا لم يكن "الأدب الجاهلي" مسؤولا عن تنفير أبنائنا وبناتنا الطلبة من تعلم اللغة العربية وإتقانها فمن هو المسؤول إذن؟ والجواب لا يحتاج إلى تفكير طويل بل اسألوا أنفسكم وأولياء الأمور: أي اللغتين مطلوبة للجامعة وسوق العمل والحصول على الترقيات والوصول إلى أعلى الدرجات الوظيفية في مجتمعنا، آلعربية أم الإنجليزية ؟ والجواب معروف وسأتكلم عنه بتفصيل غداً إن شاء الله.