يكثر الجدل هذه الأيام حول طرُق تدريس اللغة العربية، وكيف يمكن أن نقرّبها للأجيال العربية الناشئة، وألا يكون بعض فروعها سبباً لتنفيرهم منها، من مثل الابتداء بتعليم "الأدب الجاهلي"، وهو أمر يبعث على السعادة والتفاؤل، وليس فيه إلا الخير والنفع لمنظومة التعليم في بلادنا وبلاد العرب كافة، إن لم تطل مدة هذه الحوارات، ولم تأت الاقتراحات من قوم لا علاقة لهم بالتعليم، أو من أساتذة لم يتخصصوا في المادة العلمية نفسها.
وما خوفي من كثرة الأقوال والآراء، إلا لأنها قد تؤدي إلى استعجال بعضهم من أهل الوزارات التعليمية من غير تُؤَدة (تمهّل)، فيستمع إلى هذه النظريات التي لم تُجرّب بعدُ فتأخذه الحمِيّة (الحماسة) وحب التغيير، فيقوم بتعميمها ليدخل الطلبة في مختبر كبير جداً للتجارب، وليقع جيل كامل في حيص بيص، فيضيع ويصبح ما تعلّمه هدراً، ثم يأتي وزير آخر ويفعل مثل ما فعل الذي قبله، ولكن باقتراحات جديدة، وهذا خطر وخطأ عظيمان، لو كانوا يعلمون.
كل منّا يقترح طرُقُا بديلة ومناهج جديدة، ونحن نغفل دائماً عن أمرين مهمّين في التعليم، وهما:
التعلّق بالشيء الجديد، وعنه يقول الشاعر الحكيم:
للنفس في الحكم الغريب تعلّقٌ
وسآمةُ المألوف من عاداتها
التجرِبة (بكسر الراء) وفيها يقول الشاعر:
وهذا مقالي والسلامُ كما بدا
وجرّب ففي التجريبِ علمُ الحقائقِ
ولنبدأ في التعلّق، لأنّ التعلّق بالشيء يعكس الرغبة الخاصة بنا، وهي أقوى أداة في أيدي وزارات التعليم، إذا أرادت أن تنجح في مهماتها، والرغبة كما تعلمون على مستويات، حسب طبيعة الإنسان وحاجته، وتزيد هذه الرغبة والتعلّق عندما يكون الأمر جديداً أو غامضاً، فيثير مشاعر التملّك وحب الاطلاع، أو يدفع العقول للبحث عنه وفهم غوامضه.
وعلى هذا المبدأ يجب أن نبني مناهجنا، وخاصة مناهج العربية، لأنها من العلوم العقلية التي تعتمد على الفهم الدقيق والحفظ الواسع، ولا تقلّ أبداً صعوبة عن الفيزياء النووية في أولها، وتكون في أوسطها مثل طعم تمر "الخلاص" حلاوة، وعندما يملكها المتعلم ويستفيد منها، تكون عنده ألذ من العسل الماذيِّ، وكلُّ من يدرس العربية وفنونها، يكون واسع الإدراك قويّ العقل، وهذا دلّت عليه التجارب.. وابحثوا أيها الأعزاء في تاريخ علماء اللغة العربية، لتعرفوا كيف كانوا، وأين وصلوا من ذكائهم وقوة فهمهم، ويكفيكم الخليل بن أحمد الفراهيدي شاهداً ومثالاً.
فهل كان ما يسميه أهل النقد الحديث بـ "الأدب الجاهلي" مثيراً لرغبة الطلبة، داعياً لهم لإكمال دراسة اللغة وحفظ فنونها؟ أم أنه كان منفّراً لهم، ويشعرهم بالملل والسأم، حتى خرجت هذه الدعوات التي تنادي بتأخيـره إلى آخـر سنوات الدراسة، وبعضهم يدعو إلى إلغائه والاستغناء عنـه، لأنّـه لـم يعـد ينفـع للتعليـم؟ هذا ما سنعرفه غداً إن شاء الله.