لازلت أحفظ كثيراً من النصوص الأدبية التي قرأتها أوّل طلبي للعلم وتعلّقي بالقراءة والبحث في علوم اللغة العربية لغتنا الخالدة التي ليس تشبهها لغة من لغات الناس بشهادة كبار علماء اللغة في العالم، وقد سقتُ لكم أيّها الأعزاء مقولاتهم عنها وولعهم بها في مقالات سابقةٍ مما يشعرنا بأنهم فتنوا بلغتنا أكبر فتنة فقالوا فيها من المدح ما عجز عن قوله أبناء العربية، وأنا منذ صغري مفتونٌ بالفصحى عاشقٌ لها وأكاد أطير فرحا عندما أكتشف سراً من أسرارها التي لا تحصى، وقد بلغ بي سحرها أني جزمت بعد مرور السنوات وأنا عاكف على دراستها بأنها ليست من صنع البشر ولا اختراعهم بل هي لغة منزلة من السماء من ربنا العليِّ القدير الذي (علّم آدم الأسماء كلها) وقد بتّ أيضاً أصدّق ما رواه بعض أهل التاريخ بأنّ لغتنا وحي أُنزل على جدنا إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فكان أول ناطقٍ بها.
حفظت قصص العرب وآدابهم وأشعارهم وكنت أظن أني وحيدٌ في هذا لا يشاركني فيه أحد، ولكني فوجئت - والحمد لله ـ بأنّ كثيراً من الخاصة والعامة يشاركوني في هذا العشق وكأنّ الأمر أمرٌ ربّاني بسبب حفظ هذه اللغة العظيمة لكتاب الله العظيم بل حفظ كتاب الله العظيم للغتنا حتى امتزجا فأصبحا لا يفترقان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أرى من المناسب قبل أن أبدأ في موضوع مقالي اليوم أن أنقل لكم قولاً لسيدنا معاوية رضي الله عنه أمَرَ به مؤدبَ أولاده فأوصاه: أن يخبرهم بأخبار الماضين ويروّيهم الشعر ثم قال له: والله ما منعني من الفرار في إحدى المعارك إلا أنّي ذكرت قول الشاعر عمرو بن الإطنابة:
أبت لي عفّتي وأبى بلائي
وأخذي الحمدَ بالثمنِ الربيحِ
وإعطائي على المعروفِ مالي
وضربي هامةَ البطلِ المشيحِ
أقول لها وقد جشأتْ وجاشتّ
رويدك تُحمدي أو تستريحـي
لأدفعَ عن مآثرَ سابقاتٍ
وأحمي بعد عن عرضٍ صحيحِ
هذا هو أثر الشعْر في قلوب العرب منذ عرفوا الشعر، فهو دليلهم إلى الخير ومكارم الأخلاق ويدفعهم إلى الشجاعة ويحثُّ فيهم العزة والكرم الذي ورثوه من جدهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولا أتخيّل عرباً من دون شعرٍ بل لا أشعر أنّ هناك من خلقٍ غير العرب يستطيع أن يصل شعرهم إلى ما وصل إليه الشعر في نفوس العرب وإنّ هذا لأجده في نفسي وعند كلّ من ألقاه من شعرائنا والعرب عامّة.
قدمّت هذه المقدمة لنعلم أنّ الأدب العربي جزء من تاريخنا وفكرنا ونفسياتنا لا يمكن أن نتخلّى عنه ولا يصحّ أن يدرّس إلا بالطريقة الصحيحة التي درج عليها العلماء والطلبة منذ العهد الإسلامي إلى العصر الحديث، والذي أخرج كبار الشعراء والأدباء من مدارسنا على مر القرون وتتبع الأسلوب القديم في تعليم الآداب وإن قُدّمت للطلبة في قوالب حديثة.
أستاذنا "فاروق شوشة" علم من أعلام الأدب وتربطني به صداقة منذ سنوات وأستفيد من علمه وخبرته كلما أجتمع به وهو أديب أنيق ومذيع مخضرم وله فكرٌ نيّرٌ ولكنّي عجبت كثيراً من نقده لمناهج تعليم الأدب في مدارسنا التي تبدأ من الجاهلية حتى العصور الحديثة وقد وصفه بالهرم المقلوب، وهذا نقدٌ مردود عليه وعلى كل من يروّج له.
وللمقالة بقية.