كل يومٍ يزداد يقيني بأنّ المقهى العالمي "تويتر" هو أسرع وسيلةٍ لإذاعة الأخبار هذه الأيام على وجه الأرض، وكلّما زادت خبرتي فيه شعرتُ برهبةِ العلم التقنيِّ الحديث، والذي من عجائبه أن يقوم مبرمج شاب من ولاية ميسوري بأميركا يدعى "جاك دورسي Jack Dorsey "ولد في 1976، بأكبر تحوّل في حياته وفي العالم فاخترع برنامج "تويتر" سنة 2006، فغيّر مفاهيم الناس وطريقة حياتهم وسحر أعين الشعوب وعقولهم حتى بلغ عدد الداخلين في هذا المقهى أكثر من نصف مليار مستخدم.
ومن الطرائف أنّي حجزت مكاني فيه أول ظهوره، ولكنّي لما رأيت صورة الطائر المغرّد احتقرته فهجرته لسنواتٍ، ثم عدتُ إليه في أغسطس 2011 وأنا أغرّد الآن فيه آناء الليل والنهار بما ينفع الناس ولا يضرّهم، لأنّ الكلمة أمانة والنصيحة أمرها عظيم، ولم أنس قط قوله عزّ وجلّ: «ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد».
منذ دخولي في هذا العالم الافتراضي وجدت نفسي تعوم في محيطٍ من المعلومات المتدفقة في كل ثانية، وكلّما تابعتُ مغرّداً زادت المعلومات والرسائل المنشورة، فقلتُ في نفسي: لا بدّ أن أتخذ "تويتر" لفائدة إخوتي وأخواتي بما أعرفه من علمٍ أو خبرةٍ، وأتقاسم معهم هموم الحياة وأشترك في مجالات أعمالهم وأتحاور في كافة تخصصاتهم فأُعلّم وأتعلّم، ولهذا جعلته جامعة مفتوحةً فيه الآداب والشعر والتاريخ والعلم، وكل ما يمكننا الخوض فيه من العلوم التي اكتسبناها وكلُّ في تخصصه.
وقد بدأت منذ فترةٍ حملةً تدعو إلى ضرورة رجوع اللغة العربية إلى سابق عهدها في دولتنا الحبيبة لتكون لغةً للتعليم مرّةً أخرى، بعد أن تمّ الاستغناء عنها والتفريط فيها وهي لغة القرآن والعلم والبيان، ونصحتُ في ما نصحتُ بأن تُفرض الإنجليزية على تخصصات محددة لا ينفع فيها التعليم بالعربية حتى الآن من مثل الطب والهندسة وأنظمة الطيران.
وكذلك يجب أن تبقى دراستها المتعمقة لمن شاء من أبنائنا وبناتنا بعد أن يأخذوا حصتهم المقررة منها، لا أن تُفرض عليهم فرضاً حتى تكسر ظهورهم صعوبةً ودفعاً، ولا يستطيعون التخرّج إلا بأخذ شهادة "الأيلتس" و"التوفل" وبدرجاتٍ عاليةٍ، كأنّهم يدرسون في بريطانيا وأميركا مسقط رأسها.
نتيجةً لهذا الحوار في "تويتر" وردتني تغاريد كثيرة من أولياء الأمور ومن الطلبة والطالبات، وكلّهم مجمعون على رفضهم:
فرض الإنجليزية عليهم لغةً للتدريس.
طلب الجامعات المحليّة درجاتٍ عالية للنجاح من "التوفل" و"الأيلتس".
زيادة سعر الشهادة الإنجليزية وقد كانت بأسعار أرخص كثيراً من اليوم.
فرض الشهادة مرتين، مرةً وقت دخولهم الجامعة وأخرى قبل التخرّج منها.
ومن يتتبع التغاريد المحزنة لهؤلاء الشباب والتي تمتلئ حزناً وغماً وإرهاقاً، يعلم حجم المآسي التي يعيشونها في جامعات الدولة، فهم من مجتمعٍ عربيٍّ ويعيشون حياتهم بالعربية ويقضون حوائجهم بالعربية، فلماذا يتمّ تدريسهم بلغةٍ أجنبيةٍ عنهم؟ ولماذا تُفرض عليهم هذه الشهادة الإنجليزية، بل يُطلب منهم أن يحصلوا على درجاتٍ عاليةٍ فيها، وهي مكلفةٌ دراسةً وثمناً للدروس الخصوصية ورسوماً، ولمصلحة مَنْ كلّ هذا التنفير مِن الدراسة ودفع هذه الأموال؟!
أيها السادة: إنّ طلبة دولة الإمارات عددهم قليل وهم في حاجةٍ ماسةٍ إلى كل أسلوبٍ رائع وجميل يرغّبهم في إكمال تعليمهم والوصول إلى أعلى درجات العلم، وليس أن تقوم الجامعات بالتشديد عليهم وتعكير صفو حياتهم والتنغيص عليهم بالمتطلبات التي لا يصحّ فرضها عليهم، وهم عربٌ من شعب عربيٍّ في دولةٍ عربيةٍ ينصُّ دستورها على أنّ اللغة العربية هي اللغة الرسمية للتخاطب والدراسة والعمل، فكيف نعترض طريقهم بهذه الشهادات التي لا تُطلب إلا في تخصصات معيّنة وبنسبٍ أيضاً أقل، نظراً لوجودهم في بلادٍ عربية؟
وكيف نفرض عليهم أن يأخذوا الشهادة في اللغة الإنجليزية مرتين؟ ولماذا لا نخفّض عليهم سعر الشهادة التي ابتلي بها الناس حتى دفعوا مبالغ كبيرة للتدريب في المعاهد أولاً ثم لأخذ الشهادة ثانيا؟ هذا وأرجو إعادة النظر في كلّ هذه المعوّقات في طريق تعليم الطلبة، بقلوبٍ مخلصةٍ وعقولٍ عربيةٍ تفتخر بلغتها وتاريخها.