أسمع كثيراً عندما أحدّث القوم المتبجّحين «المتفاخرين» علينا بمعرفتهم الإنجليزية أو الفرنسية، وأقول لهم: لماذا ترطنون بغير العربية وقد علمتم النهي عن ذلك لغير حاجة أو ضرورة ونحن عربٌ مثلكم ألا تحدّثونا بلساننا؟ فيجيبونك بجوابٍ يظنّونه مفحماً ومسكتاً لكلّ مخاصمٍ لهم ومعارضٍ لتعلّقهم باللغات الأجنبية، فيقولون: ألم تسمع أيها المعارض بالحديث الشريف: "من تعلّم لغة قومٍ أمن مكرهم"؟!

فأنظر إليهم شزراً (من طرف العين) وقلبي يضحك من هذا الجهل المطبق على قلوبهم حتى صارت على أعينهم غشاوة فهم لا يهتدون من ظلماتها، وإنّي أعرف أنّهم لم يدرسوا قواعد لغتهم العربية وإملاءها، ولا يعرفون الفرق بين المُعرَب والمبنيِّ، ولا يميّزون المرفوع من المنصوب، وليست لهم علاقة بعلوم البلاغة والبيان أبداً، حتى اللغة الإنجليزية التي يتشدّقون بها لو سألتهم عنها لوجدتهم لا يحفظون من آدابها وأشعارها وأمثالها شيئاً، وإنما كلامهم بها فتنةٌ فُتنوا بها ويظنّون أنّها علامةٌ للتقدّم والعلم، وسبيلٌ لنيل الوظائف الكبيرة والترقيّات العاجلة، ولهذا أعاجلهم بسهمٍ من كِنانتي (وعاء السهام) وأقول: أيها القوم "المُتأجلزون" هل تعلمون ما أصل هذا الحديث؟!

إنّ حديث "من تعلّم لغة قومٍ أمن مكرهم" ليس له أصلٌ في كُتُب الحديث، ولم يروه أحدٌ من أهل العلم، وإنّما هي مقالةٌ انتشرت بين الناس في هذا العصر وتداولوها بينهم ثم نُسبت إلى رسول الله كذباً وزوراً، ولقد علمتم أيها الأعزاء تحذير رسول الله ووعيده للذين يكذبون عليه، حيث قال: "من كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النار"، ولهذا لا يجوز لنا أن ننسب هذا القول إلى حبيبنا المصطفى، بعد أن علمنا كذب نسبته إليه. ولكن قد يسأل سائل: لقد علمنا أنّه مقالةٌ حديثةٌ فهل يصحُّ معناه، وهل ورد ما يشابهه في شريعتنا؟

قلتُ: ذكرت لكم أيها السادة في مقالاتٍ سابقةٍ، أنّ العلماء أجازوا تعلّم اللغات للحاجة والضرورة، بل قد يكون تعلُّمها واجباً إذا احتاج إليها المسلمون لمثل أخذ الحيطة والاستعداد للأعداء وتعريب العلوم، إلى غير ذلك من الأمور التي تفيد منَعَة أهل الإسلام وعزّهم، وهناك قاعدة أصولية مشهورة ومعروفة بين أهل العلم وهي: "ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب مثله"، ومن هذا الباب ما جاء في الحديث الصحيح عن زيد بن ثابت «رضي الله عنه»: قال لي رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم»: "أتحسنُ السريانية (إحدى اللغات السامية)؟ فقلت: لا، قال: فتعلّمها فإنّه يأتينا كُتُب، فتعلّمتها في سبعة عشر يوماً، قال الأعمش: كانت تأتيه كتُبٌ لا يشتهي أن يطّلع عليها إلا من يثق به".

وقد قال المحدّث الألباني رحمه الله في كتابه "سلسة الأحاديث الصحيحة"، تعليقاً على هذا الحديث آنف الذكر، وفي كلامه كفاية عن كلامي وشرحي: "وهذا الحديث في معنى الحديث المتداول على الألسنة: "من تعلّم لسان قومٍ أمن من مكرهم"، ولكن لا أعلم له أصلاً بهذا اللفظ، ولا ذكره أحدٌ ممّن ألّف في الأحاديث المشتهرة على الألسنة، فكأنّه إنّما اشتهر في الأزمنة المتأخرة".

قلتُ: ليت هؤلاء الذين يُدِلُّون( يفتخرون) علينا بمعرفتهم الإنجليزية، اكتفوا بذلك ولم يستدلوا بالأحاديث التي لا أصل لها، وليتهم انتهوا بنهي عمر «رضي الله عنه» عن الكلام بالأعجمية من غير حاجة، وليتهم أيضاً رجعوا إلى لغتهم العربية الخالدة التي لا يمكن وصف حسنها ولا سحرها، فتعلّموا قواعدها وأتقنوا كتابتها وأثبتوا أنّهم حقاً من العرب الذين ميّزهم الله عن سائر الناس وبعث منهم خاتم النبيين «عليه الصلاة والسلام»، فحملوا منارات الهدى إلى العالمين، وإنّي لأتمنّى أن أرى ذلك في يوم قريب بإذن الله.