النفاق كلمة عظيمة لمن تفكّر فيها ولا يجوز لنا أن نصف بها أحداً من المسلمين بسبب ورود النهي من الشارع الحكيم عن ذلك، لأنّه لا يعرف ما في قلوب الخلق إلا الله ولكن يجوز أن نصف بالنفاق بعض الأعمال المنصوص عليها في شريعتنا من مثل إخلاف الموعد والكذب في الحديث والفجور في الخصام وغيرها كما ورد في الحديث الصحيح وشرحه العلماء بشروح وافية، وقد قالوا: إنّ النفاق مراتب فهناك نفاقٌ دون نفاق، فمن أظهر الإسلام وأخفى الكفر فهذا هو المنافق الخالص في نفاقه، الذي توعّده الله عزّ وجلّ بالنار بل بالدرك الأسفل منها، وإذا علمنا حد النفاق وصوره قد يسأل سائل: هل جاء نصٌّ يثبت أنّ الكلام بغير العربية لغير ضروةٍ نفاق؟

قلتُ: لم يصح حديث عن رسول الله في هذا الأمر بل بيّن العلماء أنّ حديث: «مَنْ يحسن أنْ يتكلّمَ بالعربيةِ فلا يتكلّم بالعجمية فإنَّه يُورثُ النِّفاق»، هو حديثٌ موضوعٌ رواه الحاكم في مستدركه وغيره، وقد ذكر علماء الحديث ذلك، ولم يشهره بين طلبة العلم إلا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حيث أورده في معرض حديثه عن الكلام بغير العربية وهو مبحث مهم في كتابه: "اقتضاء الصراط المستقيم" فقال: "حكم النطق بالعجمية في العبادات من الصلاة والقراءة والذكر كالتلبية والتسمية على الذبيحة وفي العقود والفسوخ كالنكاح واللعان وغير ذلك معروف في كتب الفقه، وأما الخطاب (الكلام) بها من غير حاجةٍ في أسماء الناس والشهود كالتواريخ ونحو ذلك فهو منهيٌّ عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريبٍ، وأمّا مع العلم به فكلام "أحمد بن حنبل" بيّنٌ في كراهته أيضا فإنه كره "آذرماه" ونحوه ومعناه ليس محرمّاً وأظنه "

ثم قال ابن تيمية رحمه الله: "وهو أيضا أي (ابن حنبل) قد أخذ بحديث "عمر" رضي الله عنه الذي فيه النهي عن رطانتهم (الكلام بغير العربية) وعن شهود أعيادهم (أعياد الكفار) وهذا قول "مالك" أيضا فإنّه قال لا يُحرم (بالعمرة والحج) بالعجمية ولا يدعو بها، ولا يحلف بها، وقال نهى عمر عن رطانة الأعاجم وقال إنّها خبٌّ (خداع)، وقد استدل بنهي "عمر" عن الرطانة مطلقا"، قلتُ: احتجاج ابن تيمية بكلام عمر رضي الله عنه أفضل ما في هذا الموضوع وأقواه وأشهره، ولم يعارض الصحابةُ رضوان الله عليهم الفاروقَ فيما نهى عنه وهذا يدلّ على أنّ النهي له أصلٌ صحيحٌ وقد جاء أمر رسول الله بالاقتداء بالخلفاء الراشدين من بعده.

ثم تابع ابن تيمية الاستدلال على كراهة الكلام بغير العربية لغير ضرورةٍ فقال مستدلاً برأي الإمام الشافعي وكان حقه أن يبدأ بقوله لأنّه شيخ الإمام "أحمد" ولكن ابن تيمية حنبليٌّ ومن عادته أن يبدأ بأقوال مذهبه وهذا من الإنصاف الذي يجهله بعض طلبة العلم اليوم: "وقال الشافعيُّ فيما رواه السلفي بإسناد معروف إلى محمد بن عبد الله بن الحكم قال سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: سمّى الله الطالبين من فضله في الشراء والبيع تجّاراً ولم تزل العرب تسمّيهم التجّار ثم سمّاهم رسول الله بما سمّى الله به من التجارة بلسان العرب، والسماسرة اسم من أسماء العجم فلا نحبُّ أنْ يُسمّى رجلٌ يعرف العربية تاجراً إلا تاجراً ولا ينطق بالعربية فيسمّى شيئا بالعجمية وذلك أنّ اللسان الذي اختاره الله عز وجل لسان العرب فأنزل به كتابه العزيز وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد».

 ثم قال ابن تيمية: "قد كره الشافعي لمن يعرف العربية أن يسمّى بغيرها وأن يتكلم بها خالطا لها بالعجمية، وهذا الذي قاله الأئمة مأثور عن الصحابة والتابعين، وقد قدّمنا عن عمر وعلي رضي الله عنهما ما ذكرناه" قلتُ: ثم ذكر ابن تيمية بعد ذلك الحديث الموضوع الذي نقلته لكم في أول المقال ورفعه إلى رسول الله مع أنه قال: إن في رفعه تبيّن أي شك فيه، ولكن لا أعلم لماذا رواه من الأصل واحتج به وهو لا يصحّ؟! ولكنّ الكمال لله، ولا بدّ للعالم وإن علت منزلته في العلم من أن يخطئ، والصواب الاكتفاء بنهي عمر رضي الله عنه وكبار العلماء.

وفي ختام هذا المقال أرجو ألا نتساهل في الحديث بغير العربية من غير حاجةٍ ولا ضرورةٍ، كما نشاهد اليوم هذه الصور المحزنة من بعض من فُتنوا بالإنجليزية والفرنسية وهم يتقنون العربية ويعيشون في بلاد العرب، وتعلّم اللغات جائزٌ كما ذكر ذلك العلماء وقد يكون واجباً إذا كانت ضرورة، ولكن لا يصح أن تكون لغةً لتعليمنا ولا مقياس القبول في الوظائف ثم في نيل الترقيات، وقد رأيتُ بعضهم يكثر من إدراج الكلمات الأجنبية في حديثه بشكلٍ يشوه لغته العربية الخالدة ويضعفها وهي أفضل اللغات وأجملها بشهادة علماء الغرب أنفسهم.