سؤال يدور في خَلَدي وخَلَد جميع المواطنين في دولة الإمارات وربّما في دول الخليج العربي بأسره: من قام بفرض اللغة الإنجليزية على أبناء الإمارات والخليجيين كافةً حتى صار تعلّمها هدف الصغار والكبار ومصدر خوفهم وقلقهم على مستقبلهم؟ هذا ما سأحاول الإجابة عنه خلال هذه المقالة وقد أجعل لها مقالات أخرى ولتسعني صدوركم أيّها الأعزاء فنحن أمام موضوع خطيرٍ تختلط فيه المشاعر والآلام والخوف وتتشابك مع القواعد الأمنية والتركيبة المجتمعية إلى غير ذلك، ويجب أن نعرف جيّداً قبل هذا كله وبعده أنّ من فقد لغته فقد هُويّته ومن فقد هُويّته هدم قواعد أمنه القومي وأصبح ذليلا مخترقاً وتابعاً لا قيمة له ولا عزّة.
بعد مرور كلّ هذه السنوات على اتحاد دولتنا الإمارات الحبيبة، وبعد كلّ هذه الإنجازات العظيمة التي تحققت بفضل الله ثم بعزم أهالي الإمارات المخلصين من شيوخ وعامة ولا أفرّق بين رجلٍ وامرأة منهم، فكلّهم عملوا من أجلنا واجتهدوا وأخلصوا وبنوا مستقبلا لنا مزهراً ومشرقاً عشنا فيه وسوف تعيش فيه الأجيال القادمة في رفاهيةٍ ونعمةٍ، ولم يكن للأجانب الوافدين من غير العرب نصيب فيه اللهم الا في بعض الأمور القليلة التي لم نكن نستغني عنهم فيها من مثل أعمال البناء وغيرها من الوظائف الضرورية التي لم نجدها عند إخوتنا العرب الذين قدموا إلى الدولة وساعدونا في البدايات على رفع هذا البناء العظيم، ولكن مع زيادة نسبة الطلاب المواطنين ورجوع المبتعثين من الخارج بعد اكتسابهم العلم في مجالات شتّى، صار الإماراتي قادراً على حمل المسؤولية ومتابعة مسيرة البناء بكلّ كفاءة وقد أثبتنا بأنّنا أكثر كفاءةً خليجياً وعربياً وهذه التقارير العالمية شاهدة بذلك ولا يمكن أن يجحدها أحد من المنصفين، فلماذا يتمُّ الإصرار على اللغة الإنجليزية وليس لها فضل في كل هذا التقدّم الذي نحن فيه؟
قد يردُّ أحدهم على كلامي فيقول: كيف تقول هذا والأجانب ساهموا معنا في البناء والإنجليزية هي لغة العلم والتجارة؟ والجواب عليه سهل فأقول: أين كان هؤلاء الأجانب قبل الاتحاد وتأسيس الوزارات والمؤسسات والشركات الكبرى الوطنية؟ ألم تعلم أنّ الإنجليز لم يساعدوا في شقّ طريقٍ ولا بناء جامعة أو مدرسةٍ ولم يقدّموا لنا أيّ شيء من أساسيات الحضارة طيلة مدة وجودهم في منطقتنا، وأضيف يا من تظنّ بأنّ الإنجليزية لغة العلم والتجارة: لتعلم بأنّ هذه اللغة ليس لها أي إضافة حضارية على الألمان ولا اليابانيين ولا الكوريين ولا غيرهم من الشعوب التي تقود العالم اليوم في مجال العلوم والتقنيات بل هم بلغوا القمّة بقوة لغتهم وأبدعوا بسبب اعتزازهم بها، ولم يتعلم الإنجليزية منهم إلا القلة لحاجتهم الماسة في بعض الأعمال، فإذا لم تكن هذه الدول يوماً في حاجة للإنجليزية لماذا نكون نحن في حاجةٍ لها؟! ونفرضها فرضاً على الأجيال من غير وجه حقٍّ عليهم حتى ملّوا من الدراسة وبعضهم حُرم من التعليم بسببها وآخرون لم يُوظّفوا من جرّائها، أليس هذا من الظلم والخذلان؟.
أخبركم باختصار كيف فُرضت علينا الإنجليزية؛ لأنّنا نشأنا في جيلٍ لا يعرفها وكانت تدّرس في المدارس ولكن من غير فائدةٍ تُذكر، وظهرت آنذاك أصوات أصحاب التغريب بالظهور فبدأ الأغنياء بإرسال أبنائهم في الصيف لتعلّم الإنجليزية في لندن، ويمكثون في أسر بريطانية ومعظمهم يعود ولم يتعلّم إلا القليل بسبب قصر المدة ثم ينسونها بعد ذلك، فشعر بعض التجّار بحاجة الأهالي إلى هذه اللغة فبادروا طمعاً - إلى تأسيس المدارس الخاصة التي تدرّس الإنجليزية في بعض مناهجها ثم تطوّرت واتخذت المناهج الإنجليزية أساسا للتعليم كلّه فأقبل المواطنون عليها وهجروا المدارس الحكومية لأنّها بزعمهم لا تصلح للمستقبل، فما كان من الوزارة إلا أن قامت بتقليد المدارس الخاصة وفرضت تعليم اللغة الإنجليزية من رياض الأطفال، وهكذا آمن الناس أنّ الإنجليزية أهمّ لغةٍ للتعليم والرقي حتى بدأت الجامعات بفرضها من باب حرصها على إرضاء المواطنين وبدأت بالتحوّل التدريجي إليها ثم أصبحت اللغة الرسمية للتعليم وحلت محل العربية. وللمقالة بقية.