منذ عرفته وأنا أراه محبّاً للقراءة حافظاً للأشعار الفصيحة والشعبية من عصر الجاهلية حتى العهود المتأخرة، يسألك عن قصيدةٍ فما إن تبدأ قراءتها على أسماعه حتى يكملها لك! ويسألك عن معنى بيتٍ جاهليٍّ أو إسلاميٍّ فيقول لك: أحسنتَ أو يصحّح لك المعنى بصورةٍ تذهلك ولو كنت البارعَ الضليعَ في العربية وفنونها، ثم تعود وتسأل نفسك: لماذا يسألك عن قصيدةٍ وهي من محفوظاته؟ ولمَ يسألك عن معنى هو من معلوماته؟ سؤالٌ لم أجد له جواباً إلا أنّه يمثّل عشقه للعربية وحرصه عليها فهو يحبّ محاورة الأدباء واختبار الشعراء ومجالسة الأدباء والعلماء، هذا هو سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله تعالى.

منذ سنواتٍ وفي إحدى الليالي وأنا خارج من مكتبي في "برج المدينة" الذي كان مركزاً لموقع سمّوه على الإنترنت آنذاك، شرّفني الشيخ محمد باتصاله وقال: هل قرأت الجريدة اليوم؟ قلت: نعم، فقال: راجع الصفحة الأولى ثم ارجع واتصل بي؟ فرجعت إلى مكتبي فوراً وأخذت الصحيفة وبدأت أتأمّلها فوقعت عيني على فعلٍ مجزوم لم يُحذف حرف علّته سهواً وهو خطأ كان من حقّه ألا يمرّ على جماعة التصحيح في الجريدة، فاتصلت بسموه وأخبرته بما وجدت، فقال وهذا تشريف لي: الحمد لله الذي لم يخيّب ظنّي فيك، أحسنت يا جمال.

لمّا أقفل الخط ذهلتُ لدقائق وأنا أفكّر وقلتُ: شخصيةٌ في مكانة محمد بن راشد لديه كل هذه الأعمال والمهمّات العظيمة يهتمُّ لأمرٍ صغيرٍ في اللغة العربية وهو حذف حرف العلّة، إنّه أمرٌ لا يمكن أن يتخيّله عقلٌ! وكيف رآه ووجده وفي الصفحة الأولى من كل جريدةٍ كلامٌ كثيرٌ؟! ونحن كم نجد الأخطاء ولا نلقي لها بالا ونمرّ عليها مرور الكرام فلا نصحح ولا نسأل عنها، وليس ثمة من جواب إلا أنّه يمثّل حرص الشيخ وولعه بالفصحى وغيرته عليها منذ صغره وهو الدافع وراء هذا كله.

قد لا يعلم كثير من القرّاء الأعزاء أنّ الشيخ محمد بن راشد بدأ كتابة الشعر الفصيح في صباه ثم انشغل بعد ذلك بالشعر الشعبي، وقد أخبرني عن سبب انتقاله إليه وهو أنّه عندما وجد نفسه بين شعراء الفصحى الكبار علم أنّه لا يستطيع منافستهم، فمن يجاري مثلاً امرئ القيس والنابغة والمتنبي وهؤلاء لن يصل إليهم أحد ممن جاء من بعدهم لأنّ العربية الفصحى كانت لغتهم التي يتحدثون بها وقد رضعوا بلاغتها وعرفوا خصائصها بالفطرة، ولهذا انتقل الشيخ إلى الشعر الشعبي لأنّه من لهجته المحلية ويستطيع بسهولة منافسة كبار شعرائها قديمهم وحديثهم وهذا قرار اتخذه في صباه، وقد فعل حتى بلغ فيه القمّة بشهادة كبار النقّاد فأبهر الناس وأدخل فنّاً جديدا لن يصل إليه فيه أحد وهو اللغز الشعبي الذي اخترعه على شكل روايةٍ كاملةٍ تتوزع فيها المفاتيح فمن وجدها من الشعراء وجد حل اللغز، ولغزه السنوي هذا يعدّ ظاهرة شعرية لا نظير لها يشارك فيها معظم الشعراء الشعبيين كبارهم وصغارهم.

ومع هذا الاهتمام الكبير بالشعر الشعبي لم يتوقف الشيخ عن كتابة الشعر الفصيح بل استمر في إنشاده وله قصائد رائعة فيه لأنّه يعشق الفصحى من صغره ويحفظ ما لا يعدُّ من أشعارها، وإنّي لأعلم أنّه لا يستطيع أحد أن يجاريه في المطارحة الشعرية فقد أعجز كثيراً من المتمرسين فيها لكثرة محفوظاته وسرعة بديهته.

قلتُ: من كان عشقه العربية الفصحى هل تظنّون أنّه يغفل عنها لحظةً أو يهملها أو يتركها تهزم أمام سيول التغريب التي تجتاح بلادنا وبلاد العرب كافةً في كل مكان؟ الجواب: يقول الشيخ محمد في قصيدته العصماء "اللغة الخالدة":

 

وتـــــــوَّجَ الــفـــضـــلَ بــالـــقُـــرآنِ نَــــزَّلَــــهُ

                             عــلـــى نــبـــيٍّ كـثــيــرِ الـمـكْـرُمــاتِ نَـــقِـــي

لــســـانُـــهُ عــــربــــيٌّ وهْــــــــو حـــافِـــظُـــهُ

                             إلـــى الـقـيَـامـةِ مــــن كَــيْــدِ الــعُــداةِ وُقــــي

حــتــى إذا حــــان وعــــدُ الـبـعــثِ وانــدثَــرَتْ

                            فــرائــضُ الــدِّيْــن واسْـتَـعْـلَــى ذَوُو الــنَّـــزَقِ

فـسـوف يمْـحُـوه مــن صُـحْــفٍ ومِـــنْ فِـكَــرٍ

                           وســــوف يـرفـعُــهُ عـــــنْ كــافـــرٍ وشَــقـــي

فـكـيـف تـخْـشـى عـلــى مـــا الــلَّــهُ حـافِـظُــهُ

                           كــفــى بــــهِ حـافـظــاً فـي كُـــــلِّ مُـنْــزَلَــقِ

 

وللمقالة بقيّة.