ثقافة الإنجاز تساويها في قوتها وسحرها ثقافة الوعود العرقوبية والأقوال الوهمية، ولكنّ النتائج كما يعلم كلُّ عاقلٍ هي التي تفرّق بينهما، فالأولى تبني دولاً عظيمة وترتقي بالشعوب حتى تبلغ بها أعلى درجات الحضارة والرقيِّ والتقدّم، أما الثانية فإنّها بلا أدنى شكٍّ أو ريبةٍ تهدم مكتسبات الدول وتمنعها من المنافسة حتى تُهزم وتفتقر وتصير نهباً للضياع والجهل والموت.
ولو نظرنا لما حولنا من دول العالم لوجدنا الأمر هذا ظاهراً، يعرفه كلُّ من نظر إليه بعين الحكمة والخبرة واستوعبه بقلبه العقول المدرك، ولا يهمّكم أيّها السادة كثرة أعداد الناس في دولةٍ ما أو قلّتهم، وكذلك لا تنظروا إلى كثرة جامعاتهم ومعاهدهم، فإنّها لا تعني شيئاً إذا هي لم تفعل ما تقول وتنجز ما تعد به وتسابق الزمن كي تصل بخدماتها إلى قمّتها الحكومية.
منذ فترةٍ قامت إحدى الصحف العربية بمقارنةٍ طريفةٍ بين ثلاث دول؛ وهي ألمانيا وتركيا ومصر، لأنّها تتشابه كثيراً في عدد السكان والمساحة، مع تفوّق مصر في إرثها الحضاري وعمقها التاريخي منذ عهد الفراعنة، مما يجعلها مؤهلةً لتتقدّم على الأخريين، ولكن إذا طبقنا عليها معايير ثقافة الإنجاز سوف نجد ألمانيا في المقدمة، ثم تأتي تركيا بعدها بمراحل، ثم تأتي مصر بعدهما بمراحل كثيرة، من حيث الناتج القومي والإدارة والتأثير المحلي والإقليمي والعالمي في مجال الخدمات والعلوم وصناعة الحضارات.
ولأنّ مساحة المقال لا تعطيني فرصة لأتكلم عن المقارنات بين الدول المتقدّمة والمتخلّفة، سأكتفي بالإشارة إلى كلِّ ما حدث في دولة الإمارات من الأمور العجيبة جداً، والتي أعدّها استثنائية بكل المقاييس العالمية، خلال أربعة عقود، ولا يمكن أن يشعر بما أقوله إلا من أدرك حقبة ما قبل الاتحاد ويعيش اليوم هذه المنجزات العظيمة، التي تم اكتسابها تدريجيا وعلى أيدي حكّام عظماء منذ زايد وراشد حتى خليفة ومحمد، وإن كان كلّ عهد له خصائص تختلف عن العهد الآخر، فإنّ ثقافة الإنجاز صفةٌ لازمة لكل العهود التي توالت على دولتنا الحبيبة والتي ستأتي إن شاء الله.
القمّة الحكومية التي تبدأ أعمالها اليوم في دبي ويشارك فيها أكثر من ألفي مسؤول من المسؤولين الحكوميين في الإمارات والعالم، لو أقيمت في أي مكانٍ آخر من عالم ما يسمّى بالعالم الثالث لكانت سُبّةً للدولة المضيفة وإحراجاً كبيراً لها، ولكنّ الأمر يختلف في الإمارات دولة الإنجازات، وحقٌّ على دولة الإنجازات أن تتحدث عن رؤيتها ووعودها التي قطعتها على نفسها وأنجزتها بشكلٍ يثير اهتمام المختصين، ويجب عليها أن تفخر وتبادر بعرضها على الآخرين ليستفيدوا منها، وليرتقوا في خدماتهم التي يجب أن تقدّم للشعوب على أكمل وجه وأفضل طريقة وتستفيد كذلك من تجارب الآخرين.
المدّعون كُثر والصادقون المنجزون أقل من القليل، ونحن نفخر اليوم بقيادتنا الرشيدة التي بذلت الغالي والنفيس لتصل الإمارات إلى ما وصلت إليه من حضارة وتقدّم تفاخر فيها الحضارات الأخرى التي سبقتها، وإني لا أزال أعجب من جواب قيادتنا عند سؤالنا لهم: هل حقّقتم كل ما أردتم بعد كلّ هذه الإنجازات العظيمة؟ فيجيب سيدي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بهذا الجواب الذي يدخلك في حيرةٍ وفخرٍ ويقول: ليس بعد، مازلنا لم نحقق إلا قليلا! فأقول في نفسي: إذا كان كلُّ ما تحقق تعده يا سيدي قليلا فقد أتعبت المنافسين الذين لن يستطيعوا الوصول إلينا أبداً، ما دام هذا الفكر النيّر موجودا والعزيمة التي لا تعرف التراجع.
يقول الشيخ محمد بن راشد عندما سُئل في 2001 وهو في "دافوس" عن رؤيته المستقبلية للإمارات: "الحقبة الزمنية التي تطورت فيها دولة الإمارات بقيادة زايد معروفة والحمد لله، ولقد تخطينا دولاً كانت تسبقنا بعشرات السنين، وأصبحت دولة الإمارات على الخارطة معروفة (وواضحة)، وكذلك إن شاء الله بنفس السرعة وبنفس الروح سوف تستمر دولة الإمارات، (ومن خلال) دبي ستعرف الخط الذي تسير عليه (الإمارات) وستستمر بنفس النهج".
قلتُ: بعد كل هذه السنوات أحمد الله حمداً كثيراً على نعمة الإمارات ونعمة هذه القيادة الرشيدة. وللمقالة بقية .