ما الذي يجعل ديناً يبقى كل هذه القرون متماسكاً قويّاً أمام كل الضربات والإخفاقات التي تعرّض لها أهله؟ أليس عجيبا أن يُهاجم بكل وسيلةٍ من جميع أعدائه الكبار ومع هذا تجد أعداد الناس الذين يدخلون فيه بإرادتهم يزيدون يوما بعد يوم من كل أجناس العالم، بل ومن نفس جنس أعدائه الذين مردوا على بغضه وخصامه منذ فجر الرسالة المحمدية؟! وكأنّ هذا الدين دينٌ جديد لا يبلى ولا يتعرّض للنقصان والخسارة، فهو مبهر لكلِّ من عرفه ومحبّبٌ لأهله، تختلط فيه مشاعر الحنين والحب والعشق والبأس والرقة.. كلُّ ذلك في قالب العدل والإحسان ونفع البشرية.
في سنة 1996م دُعيت إلى مناسبةٍ عند أحد الأصدقاء في لندن وهو من المسلمين الجدد، فلبّيت دعوته وكنت أعرف أنّه المسلم الوحيد في عائلته، وعندما قدمت إلى منزله وجدت ثلاثةً آخرين من الإنجليز معه، فسلمت وجلسنا نتكلم عن روعة برامج القناة الرابعة البريطانية لأنّ صديقي مشغوف بها ويسجّل كثيراً من برامجها الوثائقية، ثم وُضع الغداء وإذ بصديقي يقول: جمالُ نسيت أن أعرّفك ضيوفي؛ هذا فلان ابن نائب مدير شبكة بي بي سي وهذا فلان ابن قائد شرطة لندن وهذا فلان من الطائفة اليهودية، وكلّهم من المسلمين الجدد الذين أشهد لهم بحسن الإسلام، فرحبّت بهم ودعوت لهم بالتثبيت وقلت في نفسي: سبحان الله لم ننفق درهما واحداً لإدخال هؤلاء إلى الإسلام ولم نتعب أنفسنا لإقناعهم وهداهم الله جلّ جلاله إليه فضلا منه ورحمة!
ومن هؤلاء المسلمين الجدد الذين تشعر عند لقائهم بأنّك أمام أمّة كاملة؛ الداعية الأميركي يوسف استس و الذي من طبيعته أنه يقابلك بابتسامته الآسرة ويجدد فيك قوة الإيمان بقوة إيمانه وسحر بيانه، ويأسرك بعلمه مع ضعف لغته العربية، ويظهر أسرار الدين الإسلامي كأنّه وُلد مسلما وعاش طيلة حياته وهو يتعلّمه، إنّه الفتح الإلهي والإلهام الرباني الذي يهبه لمن يشاء ويحرمه من شاء، وقد أوتي هذا الرجل الداعية شخصية ومكانة تجبر من يجلس معه على الانقياد إليه وتقديره ومحبتّه في وقتٍ واحد.
في سنة 1944 ولد استس في عائلة بروتستانتية من ولاية تكساس الأميركية، "صعيد أميركا" كما يحبّ أن يسميها استس.
وكان والده من القساوسة المبشرين، ولهذا تعلّق الابن بأفكار والده ونحا نحوه في التبشير، وقد نال في السبعينيات درجة الدكتوراه في علم اللاهوت، ولم يتكاسل الوالد والابن عن نشر الديانة المسيحية مع دعم مجلس الكنائس العالمي للمبشرين في كل مكان، في حين لا ينفق المسلمون إلا شيئا قليلا في بناء المساجد وطباعة المطويات، ومع هذا فإنّ الأعداد الكبيرة التي تدخل في الإسلام لا تقارن بمن يدخل في المسيحية رغم كل هذا الصرف الكنسيِّ، وكان من الداخلين في الإسلام طواعية وحباً، عائلة استس المعادية للإسلام قبلاً، فمنّ الله عليهم جميعا بالهداية بسبب دعوة ضيفٍ مصري في سنة 1991.
دخل يوسف استس وزوجته الإسلام ووالده وزوجته أيضا، وكان والده يحرص على أداء الصلاة في المسجد وهو مقعد على الكرسي على كبر سنه حتى توفي، رحمه الله، وقد اجتهد يوسف بكل ما لديه من علم وأساليب ومهارة كلامية في دعوة المسلمين ليرجعوا إلى دينهم الذي هجره كثير منهم في الغرب، ودعوة غير المسلمين بالحجة والموعظة الحسنة، مع الابتعاد الكامل عن السياسة وحديثها والجماعات الإسلامية وفرقها المتناحرة، حتى أسلم على يديه الكثيرون.
التقيت يوسف استس منذ أيام لأول مرّة، وذكر لي أنّ همّه يدور في هذه السنوات حول مساعدة أبناء المسلمين في أميركا، من خلال الإعلام الحديث مثل الإنترنت وتويتر وفيسبوك أو من خلال التلفزيون حيث أسس فضائية تبثُّ برامج علمية ودعوية 24 ساعةً، لتعليم المسلمين والمسلمين الجدد وتحصينهم من الأفكار الهدامة والتطرّف الديني الذي سببه الجهل في دين الله، وقد بشّرنا بأنّ قناته GUIDEUS الفضائية دخلت نظام الكيبل في ولاية أوهايو الأميركية، وهذا سيوفر لها مشاهدة أكبر بين الأميركيين وهو يسعى الآن لإيجاد دعمٍ ثابت لها، فهي لا تكّلف كثيراً ولكنّها تنفع كثيراً وتعين أبناء المسلمين على الحفاظ على دينهم، بسبب انشغال آبائهم وأمهاتهم في العمل فلا يجدون وقتاً لتعليم أطفالهم، وهي تحتاج اليوم لدعمنا كذلك، وقد تذكرت بيتاً لابن دريد الأزدي وأنا أودّعه، حيث قال في مقصورته:
والناس ألفٌ منهم كواحدٍ
وواحدٌ كالألفِ إنْ أمرٌ عنا
نعم وأشهد بأنّ أخي يوسف واحد ولكنّه كالألف في المهمّات، فجزاه الله خيراً وكثّر الله من أمثاله وثبّته على الحق.. لقد أشعرني أيها الأعزاء بالخجل من قوة عزمه وضعفنا، والله المستعان.