عادت بي ذاكرتي قبل قليلٍ من كتابة هذا المقال إلى وقتٍ ماضٍ زرت فيه صديقاً لي إنجليزيّاً من عائلةٍ كبيرةٍ لها تاريخ في بريطانيا العظمى، حيث كان والده آخر من عمل من أسرته في خدمة الملكة حتى نال أعلى أوسمة الشرف الملكية، وقد عاش صاحبي المضيف مرفّهاً منعّماً طيلة فترة صباه ثم تزوّج ومنّ الله عليه بالإسلام ودخل في هموم الحياة وأصبح له بيت في منطقة (كلبمساوث) اللندنية، وقد أصرّ على أن أبقى عنده أيّاماً نسافر في أثنائها إلى أنحاء متفرقة من بلاده ففعلت، وقد فوجئتُ بالطبخ اللذيذ الذي كان يقدّمه لي فقلتُ له مرّةً: هنيئاً لك بهذه الزوجة التي تجيد طبخ هذه الأنواع اللذيذة من الطعام، فضحك صديقي الإنجليزي وقال: منذ تزوجتها لم تطبخ لي طبقاً واحداً بل أنا من يعدُّ الطعام لها ولا تحبُّ الأكل إلا من يدي، فقلتُ له وأنا أضحك: يا صديقي إنّي لا أعرف الطبخ، والنساء في بلادنا ترك بعضهنّ الطبخ للطباخين والطباخات في بيوتنا، أما بنات الجيل الجديد فلا يعرفنه إلا قليلًا.

تذكرت هنا أيضاً قصصاً مؤثّرةً عن وفاء الأزواج لزوجاتهم، شاهدتها بنفسي أو سمعت عنها من الثقات أو قرأتها في أخبار الصحف والكتب، ولا أجد تفسيراً منطقيّاً لهذا الوفاء إلا أن يكون إخلاص الزوجة وطيبها وحسن أخلاقها مع زوجها جعل زوجها يحبها ويرغب بردّ جميلها، مع نقاء قلبه ومكارم أخلاقه، وقد استخلصت هذا التفسير من قصةٍ وقعت أمامي وعشتها بنفسي، وهي قصة خالي حفظه الله، مع زوجته التي بقيت مريضة لأكثر من 20 سنةً وهو صابرٌ محتسبٌ الأجر عند الله، لا يفارقها، وكان يبقى معها الشهور الطويلة في الخارج تاركاً تجارته وأعماله من أجلها، ولا يكلُّ ولا يملُّ ولا ترى إلا الابتسامة في وجهه والرضى، وقد بقي كذلك حتى فارقت زوجته الحياة في أواخر 2012م، رحمها الله.

وكنت قبل أشهر كتبت لكم مقالةً عن ذلك الزوج السعودي الذي حوّل مدرسةً حكوميةً تديرها زوجته في جنوب المملكة إلى ما يشبه فندقاً ذا 5 أنجم، فصرف عليها الملايين من أجل راحة أم عياله ناظرة المدرسة، وخدمة جليلة يقدّمها للمجتمع، فنال بهذا العمل الخيري رضى زوجته ومجتمعه في آنٍ واحدٍ، وهو أمر يندر وقوعه خاصة من كبار التجّار، وقد سألت أحد مسؤولي هذه المنطقة وأكّد لي صحّة هذه القصّة.

ولا يظنّ أحد أنّ الوفاء فقط مختص بأمّةٍ دون أمّةٍ أو دينٍ دون آخر، بل الحقيقة أنّ الوفاء ستجدونه عند كل قلبٍ طيّبٍ لا يعرف الشحناء، وتموج شرايينه بالمحبّة والعطاء، كحالة المصوّر والرحالة "كودري" الذي مرضت زوجته في أوائل الخمسينيات وهو يعمل في دبي، فعاد بها إلى بريطانيا وبقي يعالجها طيلة حياته، ومن صور هذا الوفاء النادر أيضاً أن تجد رجلاً فقيراً يعيش في غرفةٍ صغيرةٍ تقع في إحدى قرى الجزائر اسمه "سليم" كتبت عنه الصحف وبثّت بعض القنوات التلفزيونية تقارير إخبارية عنه، حيث بقي يخدم زوجته التي شلت عن الحركة منذ 2007م فلم يفارقها بل عاملها بكلِّ رفقٍ وإحسانٍ حتى انتقلت إلى جوار ربها من فترةٍ قريبة، وقد صار يُضرب بوفائه لزوجته المثل في بلدته.

وفي الإمارات أيضاً قام زوجٌ من هؤلاء الطيبين لا أعرفه ولكنّي قرأت ما نشرته البيان عنه واسمه "عيسى" وهو إماراتي يعمل في تصميم الديكور، فأفرغ مواهبه الإبداعية ليحوّل بيته من أجل زوجته ورضاها إلى تحفةٍ فنيّةٍ رائعةٍ، وتستطيعون رؤية منزله الجميل من خلال موقع الجريدة، وهذا إن دلّ فإنّه يدلّ على إخلاص القلوب وصفائها وحسن أخلاق الزوجين وتعاونهما، وإنّ الطيب لا ينبت إلا طيباً، ولهذا أريد أن أختم بهذه النصيحة للزوجات: إذا أرادت الزوجة أن تتنعم بإخلاص زوجها وعشق سويداء قلبه، فعليها أن تخلص له وتحبّه من جميع جوارحها ولتحسّن أخلاقها معه وتُحسن الظنّ فيه، وكما نقول في لهجتنا العامية: "الطيب عايا بالطبيب"، أي أنّ الطيب أفضل دواء وأنجع علاجاً.