إذا تخيّلنا أيها الأعزاء هذا المشهد السينمائي المشوِّق الذي قد يظنّ بعضنا أنّه لا يحدث في واقع الحياة، أو قد يظنّه آخرون حدث في الحياة ولكن قليلاً، أو يظنّه أصحاب التجارب والمعرفة الدنيوية انه قد تكرّر لمرّاتٍ وتشهد عليه المشاريع التعليمية المتنوعة على طول وعرض البسيطة (الأرض) ومن جهاتها الأربع، هذا المشهد الخيالي الممزوج بالحقيقة، هو كما أقصّه عليكم مختصراً، كما يلي: في الصباح الباكر يحضرُ وزيرٌ ما أو مديرٌ إلى مكتبه وفي رأسه مئات الأفكار والآمال وآلاف الهواجس خوفاً من الفشل والإخفاق، ويبدأ في أعماله (الروتينية) التي تعوّد عليها ثم يأتيه "السكرتير" الخاص به ويقول له: اليوم موعدك مع شركةٍ كبيرةٍ متخصصة في التعليم وحلوله الرقمية، وقد أكملت الإدارة المعنية دراستها حول هذه الحلول تنفيذاً لأوامرك، واليوم سيكون العرض في قاعة الاجتماعات.
يقوم هذا المدير وهو في قمّة الحيوية والتفاؤل وقد هشّ قلبه لهذا الخبر وبشّ، ويحضر العرض ويكون في العادة عرضاً مبهراً، لأنّه لا يزال فكرةً لم تنفّذ ومعروضةً على جهاز عرض الشرائح الكبيرة، فيُعجب بهذه النتيجة كلّ من حضر والمديرُ أولهم، ويأسره ما رأى من تحقيق الأحلام الخيالية، فيأمر بالبدء في العمل لأنّه قليل المعرفة في عمل هذه التقنيّات، أو لأنّ حرصه على التعليم ورُقيّه هو ما يدفعه لهذه العَجَلة، ولكنّ النتيجة عاجلاً أم آجلا أيهّا السادة ستكون واحدةً، لأنّه إذا ذهب المدير عن مبنى إدارته وغادرها إلى غير رجعةٍ، إمّا أن يتوقف العمل بهذه التجربة ولو كانت ناجحةً، أو تُغيّر الفكرة إلى أمرٍ آخر، بعد صرف أموالٍ كثيرةٍ جنت من ورائها الشركات أرباحاً طائلةً، لأنّ مشاريعها كما تقول عاميّتنا: "بالغلا واليلا" أي بالغلاء والجلاء، (لأننا نقلب الجيم ياءً)، وضربةٌ واحدةٌ كبرى تغني هذه الشركات لسنين وتسمنها لفصول تجارية !
البنية التحتية
قد يُصدم المتابعون لشؤون تقنيات التعليم المحليّون، إذا علموا بأنّ معظم المدارس في العالم غير مهيأةٍ من بنيتها الأساسية لاستقبال هذه التقنيّات الحديثة، إمّا لقدمها أو لأنّ القائمين عليها يعلمون علم اليقين بحجم الإنفاق المخيف الذي يترتب على تطبيقها، فهم يأخذون ما يفيدهم منها ويتركون معظمها لأنّه مكلف على الأمد البعيد، فالتقنيات تتجدد بسرعةٍ والبرامج يخرج اليوم ما هو أفضل من أمسها الغابر وهكذا دواليك (باستمرار)، والشبكات وما أدراك ما الشبكات تتطور أيضاً أسرع من ومض البرق، فكلُّ ما يُصرف اليوم على المدارس الكثيرة والمنتشرة في البلاد سوف نحتاج إلى إعادة تجديده وصيانته المستمرة، أو إلغائه كاملاً إذا انتهت صلاحيته وحلّت محله برامج جديدة، وهذه المصيبة العظمى.
والمسألة إذن ليست ميزانيات تصرف من أجل شراء أجهزة أو توصيل شبكات أو بناء برامج متكاملة للتعليم الرقمي، حيث يُظنُّ فيه أنّه يوفر الوقت والمال ويزيد من فهم الطلبة وتحصيلهم، ويمكّن الإدارة المدرسية والمدرّس من الوصول إلى الطالب بشكلٍ أفضل من ذي قبل، ليس كذلك البتةَ بل هي نقلةٌ عظمى وقفزة كبرى في الفضاء قد تكسر الظهر ولا جبر بعده، أو تصل بنا إلى المريخ ولن يصل أحد.
المدرس المواطن المفقود
يواجه التعليم في الإمارات تحدياتٍ كثيرةٍ ومن أخطرها قلّة المدرس المواطن، وقد تكون هذه المشكلة غير موجودةٍ في دولٍ تَعداد سُكانها كبيرٌ وفرص العمل فيها قليلةٌ، ولهذا لن تجد معلمّا وافداً فيها بعكس بلادنا الحبيبة الإمارات، التي نشأت مدارسها على تدريس إخوتنا المعلمين من الدول العربية كافةً، وهم لم يُقصّروا ولهم منّا جميل الشكر والثناء، ولكنّ هذا المدرس القادم من بلده يوشك أن يعود فيعود معه جميع خبراته التعليمية، ويكون كلّ ما صرفته الدولة من مالٍ وجهدٍ يذهب إلى خارجها، مما يؤدي إلى ضياع تراكم الخبرات لقلة أعداد المدرسين المواطنين الباقين في أرضهم، اللهم إلا المدرسات المواطنات اللواتي حملن على عاتقهن تربية أبنائنا وبناتنا بكل جدارة ووفاء، ولكن ينتهي دورهنّ مع الطلاب عند الصف الخامس ليبدأ دور أخيهنّ المدرّس المواطن، وبسبب ندرته فهنّ يسلّمنّ العهدة لغيره، وهذا يؤدي إلى خللٍ كبير في المنظومة التعليمية إدارةً وتربيةً وتعليماً وتقنيةً.. وللمقالة بقية.