أشاهد قناةً أجنبيةً مفيدة اسمها (Travel) وأستمتع كثيراً ببرامجها عن السياحة العالمية وهي فريدةٌ في طرحها لأنّ فيها تاريخاً جديداً من مختلف مدن العالم التي يزورونها ويبحثون عن أدق التفاصيل فيها، وفيها أيضاً معلومات كثيرةٌ أسمعها لأوّل مرّةٍ على لسان أهل هذه المدن السياحية، وأتعرّف أيضاً إلى جغرافيتها وأسواقها وتجارات أهلها وعاداتهم وأنواع طعامهم بطريقة ظريفةٍ ومسليّة، وهذه القناة أكثر جذباً لي من القنوات المتخصصة في التاريخ بسبب عفوية التقديم وإتقان الصنعة والحرص على الإبهار في المعلومات الجديدة، وهذا ما يمكن أن يُسمّى بالسهل الممتنع، وأتمنى أن تُشترى برامجهم وتعرض على قنواتنا العربية ولكن ليتجنّب المشترون كلَّ ما لا يناسب عاداتنا بحذف اللقطات غير المناسبة.
حاولت إحدى القنوات العربية تقليد فكرتهم ولكنّها لم تنجح لأسباب كثيرة، ومن أهمّها أنّ قناة (Travel) متخصصة في هذا العمل ولم تتفرع في برامجها ولهذا اتقنته أحسن إتقانٍ، ويصحُّ هنا أن نقول بالمثل العامي :"اعط الخبز خبّازه ولو أكل نصفه" أو نستشهد بالمثل الفصيح الرجولي: "اعط القوس باريها" ، ويا قنواتنا العربية إنّا نقدّر جهودكم ولن نغمطكم حقّكم ولكن لن تستطيعوا أن تصلوا الإتقان حتى تتخصصوا وتدفعوا مبالغ كبيرة لهذه البرامج المبهرة، فاشتروا برامج المتخصصين ودبلجوا الكلام أو ترجموه على الشاشة مكتوباً، وقد كُفيتم القتال!.
عمل هذه القناة السياحية الأجنبية ليس جديداً وإنّما الجديد هو تسجيلها الحديث واستخدام التقنيات وعرضها على شاشات التلفزيون، فقد سبقها إلى وصف العالم وأهله كثير من الرحّالة من المسلمين وغيرهم، ويعدُّ محمد بن عبدالله الطنجي المعروف بابن بطوطة (703-779هـ) شيخ الرحّالة وقائدهم وأميرهم ومضرب الأمثال في السفر ومواجهة الأخطار، حتى إنّهم يطلقون لقب (ابن بطوطة) على كلّ من يكثر من التَّرحال وهو لا شكّ يستأهل أن يضرب فيه المثل فلم يصل أحد قبله ما وصل إليه مع وصفٍ دقيقٍ وشاملٍ لكلّ ما مرّ عليه من القرى والمدن والأخبار والأحداث، والأعجب من هذا كلّه أنّه أملاه من حفظه على محمد بن جزي الكلبي بعد أن رجع إلى المغرب واستقر عند السلطان أبي عنان المريني سنة 756هـ الذي كان في محلّ حفاوته، وأي مملكة تريد الخلود في التاريخ ولو زالت عن الوجود يجب عليها تكريم النابهين من أبنائها وتقدير العلماء وتقريبهم.
قلتُ: استمتع ابن بطوطة رحمه الله في رحلته هذه كما يستمتع مقدمو تلفزيون (Travel) فقد ذاق معظم أنواع الطعام في العالم أثناء تطوافه وقد خلّدها في كتابه العجيب والذي يبهرني أنّ بعض أنواع الأطعمة لا يزال يطبخ بنفس الطريقة حتى اليوم، ومنها فيما ذكره:
الكُشَري: يقول ابن بطوطة بعد وصفه لطعام أهل الهند: ومنها المُنج " بميم مضموم ونون وجيم "، وهو نوع من الماش، إلا أنّ حبوبه مستطيلةٌ ولونه صافي الخضرة، ويطبخون "المنج" مع الأرز ويأكلونه بالسمن ويسمونه كُشَرى " بالكاف والشين المعجم والراء "، وعليه يفطرون في كل يوم. وهو عندهم كالحريرة ببلاد المغرب.
سموسك "السمبوسة": كذلك يقول بعد وصفه لأطعمة أهل الهند: ثمّ يجعلون شيئاً يسمونه "سموسك"، وهو لحمٌ مهروس مطبوخ باللوز والجوز والفستق والبصل والأبازير(جمع بزار)، موضوعة في جوف رقاقة مقلوة بالسمن. يضعون أمام كلِّ إنسان خمس قطع من ذلك أو أربعاً. قلتُ: وهو كذلك حتى يومنا الحاضر.
الهريسة: ويقول أيضا في وصف كرم أهل شيراز وطعامهم: فقصدنا زاوية الشيخ أبي إسحاق نفع الله به، وبتنا بها تلك الليلة ومن عادتهم أن يطعموا الوارد كائناً من كان من الهريسة المصنوعة من اللحم والسمن وتؤكل بالرقاق.
وهذه أيها الأعزاء أمثلةٌ قليلةٌ على ما ذكره في كتابه من أطعمة وأشربة ذلك العصر الذي أكل منها وشرب وتلذّذ بها، وقد أُتيحت له فرصة نادرة لكي يتعرّف على الدنيا لم تتح لغيره، وقد يسّر الله أن يجمع ما شاهده في رحلته فأمتعنا بها ولكن دون مشقّةٍ علينا، وأنصحكم بشراء رحلته وقراءتها فهي حقّاً متعةٌ وحكمةٌ وسياحةٌ في التاريخ.