قال الملك الحكيم لوزيره وقد ظهر على وجهه علامات التعجّب: كيف قام الملك المنصور باتخاذ هذا وزيراً له ولم يعرف ماضيه ولم يسأل عن نشأته وسيرته؟!، وكيف يسأله الآن أمام المتخاصمين عنده؟ ألم يعلم بأنّ سؤال الخاصة أمام العامة معيبٌ يؤدّي إلى تصغير سلطانه؟ قال الوزير: لقد كانت ثقة الملك المنصور كبيرةً في وزيره ولم يشكّ فيه لحظةً، وأما سؤاله له فهذا ما استدعاه له الموقف، فقد زُجّ باسم وزيره في القضية وأصبح طرفاً في القضية بل صار موضع شبهةٍ في الأمر كلّه وهو من عدل الملك وفهمه، قال الملك الحكيم: إذن أكمل قصتك لكي لا نتأخر عن صلاة المغرب وأريدك أن تحضر لي مؤرخ مملكتنا الراوية، والرياضي الفقيه، وشاعري الخنذيذ إلى مجلس قصر والدي القديم بعد صلاة العشاء وأنا سأكون قليلا مع أبنائي وبناتي بعد العشاء ثم أذهب إلى مجلس سمري لأنّ الأبناء يطلبون منّي أن أجلس معهم كلّ ليلة وفي هذه الجلسة متعة خاصة لي.

قال الوزير: سمعاً وطاعة يا مولاي، لقد وقع وزير الملك المنصور في حيرةٍ من أمره وتردّد في جواب ملكه ولكنّه تدارك وقال: يا مولاي لقد شُغفت بالعلم أول صباي ورحلت من أجله كلّ مكان وكان والد القاضي الجديد من أساتذتي الذين أخذت منهم العلم وعرفت نجله أيّام الطلب، ولما توفي القاضي الصالح أشرت عليكم بتنصيب ابنه القاضي الجديد لمعرفتي بأمانته وخُلُقه وإنّي لا أستشيره في أمرٍ إلا ما يخص القضاء فهو أعلم به منّي، قال الملك المنصور: هكذا إذن، لقد كان من الأولى لك أن تخبرني بمعرفتك به من قبل ذلك ولكن لا بأس عليك، ثم التفت إلى المتخاصمين وقال: أين العامل؟ أحضروه أستمع إلى أقواله، فارتبك الغريب وبدأ الخوف يظهر عليه فقال: يا مولاي هذا العامل أراد قتلي فكيف تؤخذ شهادته؟

قال الملك المنصور: إنّه الحق وستقبل به أيها الغريب، لك أم عليك، فلما أحضروا العامل وكان في حالةٍ يُرثى له، ولم يستطع الوقوف عندما رأى سيده القديم الأخ الصغير فخرّ باكياً يضرب وجهه ورأسه، فقال الملك: قف أيها العامل وأخبرني الحقيقة، فأخبره اتفاقه مع الغريب في تقليل ماء السقي حتى غضب الأخ الأكبر وضرب أخاه الأصغر ضرباً أقعده عن السير أيّاماً واستطاع الغريب أن يقنعه ببيع أرضه ثم أراد التخلّص منه لأنّه الشاهد على خيانته ومكره ففعل ما فعل، ثم قال العامل: إنّي أستحق العذاب الشديد على خيانتي لسيدي ومولى نعمتي من أجل هذا الماكر الخبيث، قال الأخ الأصغر: أيها العامل بشهادتك هذه أُشهد الله أنّي قد عفوت عنك والله خير الغافرين.

قال الملك المنصور: إنّ العدل يعلو ولا يُعلى عليه، وقد حكمتُ بأن يُسجن العامل جزاءً لخيانته الأمانة ولمحاولته التخلّص من سيّده الغريب فإذا تاب وأناب وأحسن سيرته فإنّي سأعفو عنه قبل إكمال مدّة سجنه، أمّا أرض الغريب فهي له اشتراها بماله وهي ملكٌ له لا تؤخذ منه ولا يضيّق عليه، ولكن بسبب مكره وخيانته فإنّي أرجع ملكيّة ينابيع المياه للأخوين الأكبر والأوسط على أن لا يمنعاه من سقي زرعه وأن لا ينتقما منه كما فعل بهما، وإذا أراد أن يبيع أرضه فإنّ الأخوة الثلاثة أحق بشرائها إلا إذا امتنعوا عنها، قُضي الأمر الذي تستفتونني فيه، هيّا انصرفوا وإنّي أحذرك أيّها الغريب من المكر ثانيةً في مملكتي وأنت مراقبٌ من هذه اللحظة.

قال الملك الحكيم: يا وزيري المخلص والله إنّ الملك المنصور قد أنصفهم وردّ الحقوق فماذا حصل بعد ذلك؟ قال الوزير: لم يستطع الغريب أن يبقى طويلا تحت رحمة الأخوة الثلاثة الذين وجدوا الماء بوفرة في أرض أخيهم الأوسط وجاره، وقد أضاف الملك لهم حقوق الماء في أرض الغريب فأسرع ببيع الأخ الصغير الأرض بثمن أقل من سعرها، فعادت إلى أصحابها، أما الزوجة العاقلة فقد أنجبت للأخ الأوسط بنتاً تشبهها في جمالها وعقلها وأنا أحد أحفادها، قال الملك الحكيم وهو يبتسم: أنت ؟!

قال: نعم يا مولاي والملك المنصور هو جدّك لأمّك، قال الملك الحكيم: بقي أن تخبرني ماذا كتبت الزوجة العاقلة للأخ الصغير حتى يرضى، قال: ذكّرته بمرضه الشديد وبقاء أخيه الأوسط معه شهراً لا يفارقه أبداً حتى شُفي، وقد طلبت منه أن لا يقرأها لأنّه قد يلقيها لكي لا يمنّ على أخيه الصغير. وهكذا رجع الحقّ إلى أهله . تمّ الجزء الأول.