عندما تضيع الأحلام يمكننا أن نحلم ونأمل بغيرها وهي كثيرةٌ ولا تنتهي ولا يمكن أن نملك إلا قليلا جداً ونعيش فيها وهي ليست واقعاً بل أخيلةٌ مجرّدةٌ عن الحقيقة تمرُّ بنا كالهواجس ثم تذهب كأنّها لم تكن ويأتي غيرها طيلة ما بقينا في هذه الحياة، ولكنّ واقع المُلْك مختلف فهو إن ذهب لن يعود إلا بمعجزةٍ ربّانيةٍ يندر حدوثها، وكذلك الأرض إن بيعت كيف تعود وقد صارت في مُلْكِ آخرين ولهذا فإنّ حرصنا عظيم على سلطانِ أجدادنا وحدود أراضينا التي ورثناها كابراً عن كابرٍ وأُمرنا بالدفاع عنها والشهادة دونها وكذلك على المال والعرض والنفس فلا يجوز التفريط فيها، يقول هذا الملك الحكيم لوزيره.

قال الوزير: لقد كان في قصة صاحب الأرض وأبنائه الثلاثة لعبرة لأهل الحجا (العقل)، فإنّهم بسبب عدم أخذ الحذر دخل الغريب بينهم واستولى على أرض الأخ الصغير وفرّق شملهم وقد حكّموا العاطفة على الرأي والمشورة واستعجلوا في أحكامهم قبل التأكد منها، قال الملك الحكيم: من تبع أمر عاطفته سقط في أشواك محنته، فاخبرني يا وزيري ماذا صنع الملك المنصور مع الغريب والأخوة؟

قال الوزير: قـال الأخ الأصغر للملك: أنا بعت الغريب أرضي ونصيبي في تراث والدي بإرادتي ولكن ما إنْ تمكّن منها ومن ينابيع المياه فيها حتى أصبح يتحكّم في أرض إخوتي وكأنّه السيّد المطلق، ثم أدخل العامل المسكين في السجن وهو يحاول أن يخبرنا بأمره ويحذّرنا منه ولم نستطع الوصول إليه وقد زاد الأمر تعقيداً وظلماً أن يكون الغريب من نفس مدينة القاضي الجديد ولن يحكم لنا حتى يلج الجمل في سَمّ (ثقب) الخياط(الإبرة)، قال الملك المنصور: ويلك أفي مجلسي تشكك في قاضينا الذي يقضي بالعدل!!

قال الأخ الأصغر: اغفر لي يا مولاي وإنّي لم أرد أن أقول ما قلتُ، ولكنّي سمعتُ الغريب يقول للقاضي الجديد بأنّ وزير مملكتنا درس العلم على يد والد القاضي وهم أصدقاء منذ الصغر ولهذا أحضره للقضاء بعد موت القاضي الصالح، وهو يأخذ مشورته ورأيه في كل شيء، قال وزير الملك المنصور: كذبت أتفتري عليّ هذا أمام ملكنا المنصور، قال الرجل: أيها الملك المنصور لقد جئنا إليك نطلب العدل وردّ الحق إلى أهلة وأذكرك يا مولاي برسالة الملك العادل.

قال الملك المنصور: لم أنس رسالة الملك العادل ولا وقوفه معي في أيّام ازدهار مملكته، وإنّه لنعم السند والمعين أيها الرجل الشجاع، ولكنّي أعجب مـن حـالنا نحـن الملوك وحال هذه الدنيا، كيف نقرّب من يبغضنا ونبعد من يحبّنا ونولّي من يسيء لنا ونُقصي من يريد لنا الخير وهو من أشدّ الناس إخلاصاً لنا، وهذه حالةٌ عجيبة وتتكرر في كل زمنٍ ومكانٍ وكأنّها كُتبت الدنيـا هكـذا، ثم صمتَ الملك برهةً وصمت كلُّ من كان حاضراً ثم قال: هي سنّة من سنن الحياة ولكنّها ليست ثابتةً لا يمكن تغييرها بل يمكن أن نخـتار الصادقين المحسنين ونبعد أهل السوء والمكر قدر ما نستطيع، وأن نحكم بالعدل بين الناس ونزيد من أفضالنا أهل الفضل والإحسان.

قال الرجل: متّعنا الله ببقائك يا مولاي إنّما المْلُك اختبارٌ من الله وعلى الملوك أن يقوموا بين الناس بالعدل وأن لا يغفلوا عن تحصين ممالكهم بالأكفاء المخلصين من الرجال وليبعدوا عنهم من همّه فائدته وملذاته، قال الملك المنصور: يا وزيري لقد اخترتك من بين الأخيار وقدّمتك على أعيان أسرتي، فاخبرني ولا تُخفِ عنّي شيئاً هل درست على يد والد القاضي الجديد؟ وللمقالة بقيّة.