الزمان يذهب عن الناس برهةً ويدور دورته الكاملة، ثم يعود إليهم بوجوهٍ متعددةٍ ولكنّها ليست جديدةً عليهم، فهم يعرفونها ويدركون ما هو الوجه الذي سيأتي به الزمان كلّ مرّةٍ، ولكنّ أكثرهم لا يستعدُّون له ولا يجهّزون أنفسهم وأهلهم وقومهم قبل مجيئه، بل لا يبالون بالنتائج الخطيرة التي ستترتب على إهمالهم، وإنّي لأعجب من قومٍ يرون الخطر ولا يزيدون من تحصيناتهم، ويشاهدون الممالك تسقط بين أعينهم ولا يقومون بأخذ العبرة منها وتقوية روابطهم بشعبهم، ولتعلم يا وزيري المخلص بأنّ الطامعين من داخل المملكة ومن هم حول الملك أكثر ممّن هم من خارجها، والعدوُّ الخفيُّ أشدُّ فتكاً وأكثر خطراً من الأعداء الظاهرين، ولهذا وجب على الملك ومن يعاونه أن يتوصّلوا إلى هؤلاء الأعداء المختفين ويقوموا بحصرهم وحصارهم حتى لا يغدروا بهم على حين غرّةٍ، ومن غفل فلا يلومنّ إلا نفسه، يقول هذا الملك الحكيم لوزيره.

 

قال الوزير: وهذا ما حصل يا مولاي في المدينة المدمّرة التي أخبرتك عنها وغيرها من الممالك التي شهدنا زوالها أو أخبرنا بها من سبقنا من أجدادنا، وسأقصُّ عليك - إذا أذنت لي - ما فعل جدّك بالأغراب الأعداء، وكيف قضى عليهم قبل أن تقوى شوكتهم.. قال الملك: بل أريدك الآن أن تكمل لي قصة الإخوة الثلاثة مع الغريب، فقد أوشك المؤذّن أن ينادي إلى صلاة المغرب.

 

قال الوزير: اتجه الغريب مسرعاً إلى دار القضاء بعد أن أصابه الخوف من الشعر الذي سمع العمّال يكررونه بصوتٍ عالٍ، وكان الرجل يمشي في إثره وهو لا يشعر به ولا يعرفه، ثم وهو في الطريق استوقفه رسول الملك وأخبره بأنّ الملك يأمره بأن يمثل بين يديه بعد يومين، فقال بصوتٍ فيه تردد وضعف: سمعاً وطاعةً لأمر ملكنا المنصور، ثم أكمل مسرعاً سيره إلى القاضي الجديد وهو أكثر خوفاً، فلما وصل قال صارخاً وفرائصه ترتعد: النجدةَ يا صديقي القاضي.

فقال القاضي: ما بك وهدّئ من روعك! قال الغريب: لقد سمعتهم يتوعدوني بقطع يميني وهم يحفرون عن الماء، وإنّ خططي كلّها ستفشل إن فعلوا، وقبل قليل دعاني رسول الملك المنصور إلى قصره، والله إنّها قاصمة لظهري أو أمر سوء يُدبّر لي! قال القاضي: هذا ما يخفيك؟! فلا تخف، أخبرني وزير الملك بموضوع الإخوة والأمر كلّه سيكون في صالحك ولن يصيبك مكروه.

 

قال الغريب بعد أن هدأت نفسه: والله إنّ هذا الوزير من الدهاة وانظر إلى تعليم أبيك له كيف أثمر فيه، فهو نابغة زمانه في الأعمال والأفكار واستطاع أن يملك قلب الملك المنصور حتى جعله وزيره، وهو من أشار بتعيينك قاضياً بعد موت قاضي المدينة.

قال القاضي: إنّ الوزير يطلعني على أسرار الملك وأفعل مثل ما يريد حتى أبقى في منصبي ونكمل الخطة التي رسمتها معه. قال الغريب: والله إنّك القاضي الألمعي، فماذا تأمرني أن أفعل؟ قال القاضي: اذهب إلى حيث أمرك الملك. قال الغريب: لا تنس أمر العامل فهو الشاهد على كل ما صنعت. قال القاضي: لا تأبه له فهو في السجن وبين حرّاس لا يفارقونه.

 

بعد يومين اجتمع الإخوة الثلاثة والغريب في مجلس الملك المنصور، وأمرهم أن يكونوا في مكانٍ ليس فيه غير الملك وأعوانه ليسمع منهم أقوالهم، وهم يعلمون أنّ الكذب عنده مهلكة ومن ثبت عليه الظلم قضى عليه.

فتكلم الأخ الأكبر أولا وقال: يا مولاي لقد مكر بنا الغريب وأخذ أرض أخي الصغير وتحكّم في زرعنا ورفع سعر السقي حتى صرنا نبيع لندفع له وقد ألحق بنا الضرر الشديد. قال الملك: ماذا تقول أيها الغريب؟ قال: لقد اشتريت الأرض بمالي وأصبح الماء مائي، وقد دفعت للأخ الأصغر قيمةً أكثر من قيمة أرضه ليرضى. قال الملك للأخ الأصغر: أفعل هذا الغريب؟ قال الأخ الأصغر: نعم يا مولاي، ولكن.. وللمقالة بقيّة.