في كل مرحلةٍ من مراحل عمر الإنسان يحتاج إلى رفقةٍ ومناصرين له ولا يستغني عنهم طيلة حياته فالبداية تكون مع الوالدين ثم الأهل والإخوان وأبناء العم ثم الأصدقاء وهكذا مع رفقاء العمل والمجتمعين للقيام بعمل ما وكلٌّ منهم يشايع الآخر ويناصره، وهي فطرةٌ في الناس لا يستطيعون العيش من دونها ولكنّهم يختلفون باختلاف أسلوب اختيار الرفقة، فمنهم من يوّفق بالصالحين الحكماء ومنهم من يُبتلى بالفاسدين الحمقى وكلٌّ يرزق على نيته وحسن فهمه، والذي يعجبني من هذا كله أن يزيد العاقل من رفقاء الخير وإذا فارقهم فإنّه يفارقهم إلى رفقةٍ أحسن منها أو مثلها، وإنّ من ضياع الأعمار أن ينتقل إلى رفقةٍ أدنى عن التي كان معها قبلاً، وهذا ما حصل للأخوة الثلاثة مع الرجل وزوجة الأخ الأوسط فقد صاروا يداً واحدةً لإرجاع حقهم المسلوب، يقول هذا الوزير للملك الحكيم.

 قال الملك الحكيم: تعلّم يا وزيري بأنّي منذ جعلني وليّا للعهد والدي الملك المظّفر -عليه رحمة الله- وأنا أجتهد في اختيار خاصّتي من أهل العلم والخبرة والأمانة وأجتهد في البحث عنهم وأرى الفأل الحسن في وجوههم لأنّهم سيكونون نعم الأعوان لي، وسوف أخبرك فيما بعد لماذا جعلتك وزيراً لي وفضّلتك على نخبة العمّال الذين حولي، قال الوزير: يكفيني هذا الشرف يا مولاي، قال الملك: كما يتشرّف الوزير والعمّال بملكهم يتشرف أيضاً الملك بمن يعمل عنده إذا أحسن الاختيار، ولكن دعك من هذا وأخبرني ماذا صنع الرجل والأخوة الثلاثة مع الغريب؟

 قال الوزير: أخبر الأخ الأوسط إخوته والرجل بما صنعت زوجته العاقلة الأديبة واتفاقها مع جارها لشقّ قنوات المياه من أرضه لأنّها متوافرة فيها بكثرة، فاقترح الرجل أن يتم الحفر مباشرةً لأنّه قد يثير الغريب عليهم قاضي المدينة إذا شُعر بأنّ مخطّطه سيفشل وسيقع في سوء تدبيره، فقال الأخ الأكبر: نعم الرأي ولنطلب من العالم أن يجهّز لنا الأمر بسرعةٍ حتى إذا فشلنا في إخراج الغريب من أرضنا يكون لدينا من الماء ما يكفي فلا يموت زرعنا إن انتقم منّا ومنعنا من السقي، والماء الآن بيديه ولا بدّ أن يتبع الضعيف القويّ حتى تتغير موازين القوى، قال الأخ الأصغر: نعم الرأي يا أيها الرجل ويا أخي ولكن دعونا نتفاءل بالخير والنصر ولننتظر رسول الملك المنصور.

 قال الرجل: لا تنتظروا ولا تؤجّلوا فقد علّمتني الحروب التي خضناها لتخليص مدينتنا من الخائنين والأعداء أن لا نترك للعدو فرصةً للتفكير ولنسبقه في كلّ مخططاته.

ومن تأخّر في وضع خططه دمّرته خطط أعدائه، قال الأخ الأكبر: وما تريدنا أن نفعل وليس لدينا من الأمر شيء؟ قال الرجل: أنسيتم أمر العامل الذي في السجن، إذا لم نصل إليه ونخلّصه من قبل مجيء رسول الملك المنصور إلى الغريب فإنّه قد يُتخلَّص منه فهو الشاهد الوحيد على مكره وإنّ الملك عقابه شديد إذا علم به، قال الأخ الأوسط:إنّ هذا العامل لمسكين حقّاً باع سيّده الذي أحسن إليه من أجل الغريب والآن يواجه المصير المظلم بسبب خيانته، فقال الرجل: فماذا ترون أيها الأخوة؟

 قالت الزوجة العاقلة الأديبة التي كانت تستمع إلى حوارهم من وراء حجاب: اسمحوا لي بمشاركتكم الرأي فإنّكم لن تستطيعوا تخليص العامل إلا بأمرين إمّا بأمر الملك المنصور أو بأمر القاضي الجديد وهذا لن يساعدكم فهو يعين الغريب ابن مدينته، وليس هناك من طريقةٍ إلا الوصول إلى الملك وأنا لديّ الحل. وللمقالة بقيّة.