الثقة بأهل الثقة والحكمة وأخذ الرأي منهم وتكليفهم بالأعمال من حسن فطنة الرجال والنساء على حدٍّ سواءٍ وهو أيضاً دليلٌ على قوّة ذكائهم وعلمهم بأنّ الرأي إن أُخذ من ثقةٍ غير حكيمٍٍ أو حكيمٍ غير ثقة فإنّه سيؤدي إلى أخطاء محقّقةٍ ومهالكَ محدقةٍ، أما رأي السفيه فهو الطامّة الكبرى خاصةً عندما تبلغ الأمور حدّها من الخطورة فلا يصحُّ في العقول إلا الأخذ بمشورة من كان ثقةً حكيماً، ولا يُكلَّف في المهّمات إلا القادر على حملها وإدارتها على أحسن وجهٍ، فكم من رأيٍ كان خطأ مقصوداً من شخصٍ غير ثقةٍ أو غير مقصود من ناقص الحكمة والتجربة أضاع ملكاً عظيماً، وكم من مُكلَّفٍ متهوّرٍ أحمق أوقع بلاده ومخدومه فيما لا يُحمد عقباه، وهذه الزوجة العاقلة الأديبة امرأة تساوي بعقلها رجالا، وقد أبهرني تصرّفها فكيف حال زوجها الأخ الأوسط لقد بهرته وجعلته يتعلّق بها أكثر من ذي قبل، يقول هذا الملك الحكيم لوزيره.

قال الوزير: يا مولاي إنّ الملك المجرّب والرجل الذكيّ لا يضع ثقته إلا فيمن توافرت فيه الأهليّة خبرةً وأمانةً ومن استعجل واتكل على اختيار غيره أو لم يختبر عقل من يستشيره لا بدّ أنّه سيقع في المحنِ وستزلزل المصائب أرض ملكه وأمر حياته، قال الملك: لهذا اخترتك من بين الناس فأنت فقتَ عمّالي بعلمك وحزت على ثقتي بإخلاصك ، والآن أخبرني ماذا حصل للأخوة تلك الليلة؟

قال الوزير: رجع الرجل من قصر الملك المنصور وسأل عن بيت الأخ الأوسط حتى اهتدى إليه وكان قد وصل قبله الأخ الأصغر الذي دخل البيت وسلّم بتحية الإسلام وهو يكرر: لا بدّ أن تمسك الأفعى من رأسها حتى لا تلدغك، فقال له أخوه الأوسط وهو ينظر إليه متعجباً: أي أفعى تتحدّث عنها ، هل أصابك مكروه؟! قال: كلا ولكنّها حكمة تعلّمتها اليوم من صديقي صائد الأفاعي ثم أنشد لنفسه:

كم في الحياةِ منَ الأخبارِ والحِكَمِ

وليس تنفعُ إلا صاحبَ الهمَمِ

 

قال الأخ الأوسط: دع عنك الشعر فها هو ذا الرجل قد حضر ولعلّ لديه ما يخبرنا به، فلما دخل الرجل رحّبا به وقاما بواجبه ثم جلسوا يتحدثون في انتظار وصول أخيهم الأكبر فقال الرجل: لقد أمر الملك المنصور وزيره أن يحضركم عنده بعد ثلاثة أيام وأن يكون الغريب معكم وذلك بعد أن قرأ رسالة الملك العادل، فقال الأخ الأصغر: هل أمر وزيره أن يدعونا؟ قال الرجل: نعم ولكنّي شعرتُ بريبةٍ منه وإنّ المرء ليعرف من نظرته، فقال الأخ الأوسط: هذا الوزير موضع ثقة ملكنا وإيّاكم أن تشككوا فيه، قال الأخ الأصغر: بعد كل الأذى والمحَن التي مررنا بها يجب أن نحذر فإنّي وجدت الغريب مع القاضي الجديد يضحكان وأزيدكما من الأخبار خبراً محزناً، قالا: وما هو ، قال: القاضي الجديد والغريب والفارس الذي كان ينتظرنا قدموا من نفس المدينة والحمد لله أنّ القاضي لم يقرأ رسالتي المخفيّة وإلا لنكّل بنا حماية لصاحبه الغريب!

قال الرجل: يوشك أن يأتيكم رسول الوزير ليدعوكم إلى مجلس الملك المنصور والوقت قصير فماذا أنتم صانعون ؟ قال الأخ الأوسط: لننتظر أخي الأكبر ونعرف رأيه ولدي بشرى سأخبركم بها عند حضوره ، فما لبثوا إلا قليلا حتى دخل عليهم أخوهم، فحدث موقفٌ لم يتوقّعه أحدٌ حيث أسرع أخوه الأصغر إليه وقبّل رأس أخيه ويده فبكى هو وكل من حضر تأثّرا بما رأوه ثم قال الأخ الأكبر: يا أخي اغفر لي ما بدر منّي وإنّي كنت من الظالمين، قال أخوه: بل أنت اغفر لي على تمكيني الغريب من الأرض ووالله إنّي لم أفكّر بالعواقب وبعته أرضي على حسن نيّةٍ وهرباً منك وقد حكّمت مشاعري وليس عقلي. وللمقالة بقيّة.