للزوجة في حياة الرجل شأنٌ عظيمٌ، لا يقلُّ عن شأن الرجل في حياة زوجته، من حيث راحة نفسه، وقوة شخصيته، وتدبير منزله، وتربية أطفاله، فلولاها لما نعم باستقرار، ولا شعُر بمتعة الحياة، ولا استطاع أن يصل إلى سموّه الفكري والروحي، هذا إن كانت زوجته عاقلة ودوداً وغنيمة وغراماً، فإن كانت غير ذلك، فإنّها ستكون وبالاً عليه، ومنغصةً ومعكّرةً له صفو حياته، وإنّما هنّ توفيقات إلهيّة، والأمر يصحُّ بعكسه كذلك، فكم من عاقلة أديبة بليت بعاقٍّ بليد فظِّ القلب، وكم من زوج ندبٍ (شهم)، غُبن بزوجة كشجرة القتاد، كلها أشواك، لا يهنأ له بال، ولا يستقرُّ في ليل ولا نهار، يقول هذا الملك الحكيم لوزيره، ثم قال، ما أجمل ما قال الشاعر يصف زوجته:
يا خليلي إذا غُبنتَ بزوجٍ
فأنا هانئ وعيشي رغيدُ
زوجتي تتركُ الظلامَ ضياءً
وتداوي إذا جراحي تزيدُ
ما رأى القلبُ مثلها في بلادٍ
فهْو منها إذا تغيبُ عميدُ
قال الوزير: هي والله مثل زوجة الأخ الأوسط، الذي عجب من تصرّفها في أول غياب طويل عنها، وهو يثق في عقلها وحكمتها، فقد حلّت لغز العامل، وأشارت إليه بالذهاب إلى أخيه الصغير، وأعطته رسالة إليه، إن أبى أخوه قَبول اعتذاره، ثم في فترة غيابه، فتحت محلاً للبيع، فلم تنقص مؤونتها، فقال الملك الحكيم: هي من أعني يا وزيري المخلص، ولكن ماذا فعلت أكثر مما فعلت؟.
قال الوزير: لقد كانت هذه الزوجة من نعم الله عليه، وهذه هي تحدث زوجها وتخبره بما صنعت، فقالت: عندما بدأتَ في رحلتك إلى مدينة أخيك، ذهبتُ في اليوم التالي إلى أخيك الأكبر، وقلت له: إنّ أخاك سافر في عمل له، وهو يسلّم عليك، ويطلب منك متابعة عمّال أرضه حتى يعود إلى وطنه؟ قال الأخ الأكبر: يا زوجةَ أخي، لا حاجة لك أن توصيني، فأرض أخي كأرضي، ولا تخافي، فمن لم يرع حقّ أخيه في غيبته لا خير فيه، فوفّى بما قال، وإن كنت أكره غفلته وكبره، ولكنّه لم يفرّط في وعده، وبعد يومين أصابته حمّى ومرض مرضاً شديداً، حتى لم يستطع إلا الخروج قليلاً للاطلاع على أرضه، فذهبت إليه وقلتُ له: بورك فيك، فقد وفيت بوعدك، ولكنّي أحلّك منه حتى تعود عافيتك.
قال الأخ الأوسط: وماذا فعلت في مرضه؟ قالت: تابعت الأرض كأنّك فيها، وبدأتُ بمتابعة شؤونها، وقست نسبة المياه التي تصلنا من أرض الغريب، فوجدتها أقلّ بكثير من النسبة المتفق عليها، فعلمت أنّه يدبّر أمراً يجعلنا نبيع أرضنا له بسبب الضرر، وأحسست بالخطر، فذهبت إلى عالم يعرف استخراج المياه قدم لتوّه من مدينة أخرى تعجُّ بالعلماء، لعلّي أجد عنده حلاً لهذه المعضلة، فجاء ودرس الأرض، وبحث عن مصدر جديد للماء ينقذنا، وبعد مضيّ أسبوع وجد الماء بوفرة، فقال الأخ الأوسط وهو يصرخ: بشّركِ الله بالجنّة، بشّركِ الله بالجنة، ونعم الزوجة أنتِ، فقالت له: اللهم آمين، وأكون معك في أعلى عليّين، ولكن اتئد قليلاً أخبرك، فقد وجد هذا العالم الماء في جهة أرض جارنا، والماء أكثر من جانبه، وقد اتفقت معه أن ندفع تكاليف استخراج الماء وشقّ طُرُقه ونتقاسمه بيننا، وهذه ورقة العقد الذي عقدته معه، ولا يعلم به أحد غيرنا، والعالم الذي جاء بالبشرى. وللمقالة بقيّة.