توقّع الأمر قبل حدوثه لا يمكن أن يكون صفةً لرجلٍ من عامّة الناس لم يجرّب الحياة ولم تعركه الأحداث عرك الرحى بثفالها، حتى شذّبته التجارب ونقّحت أفكاره كثرة تأمّلاته للأشياء، فأصبح ينظر إلى الصور أمامه بشكلٍ يختلف عن نظر الآخرين، فهو عميقٌ جداً في استشرافه للمستقبل، وهو الألمعيُّ الدَّاهي الذي إن ظنّ لك الأمر الذي لم يقع فإنّه لا بدّ أن يقع كما ظنّ.

ولست أرى هذا الرجل الذي بعثه الملك العادل والأخ الأصغر إلا من هذا النوع، مع اختلاف منزلتهما، فالرجل ارتاب في الفارس المجهول فلم ينم ليلته، والأخ الأصغر استخدم حبراً خفيّاً لكي لا يطّلع على سرِّ رسالته أحد، يقول هذا الوزير للملك الحكيم.

قال الملك: لا أوافقك الرأي في أمر الأخ الأصغر أيّها الوزير، وليس هو بالألمعي ولا الذكيّ لأنّه هو سبب كل مصائب الأخوين، بعد أن حكّم مشاعره ولم يحكّم عقله ولم يستشر أحداً ولم يحفل أيضاً بوصيّة والده، فباع الأرض للغريب حتى تمكّن من أراضيهم كلّها وأمسوا تحت نفوذه! قال الوزير: يا مولاي كان أمر تحكيم مشاعره وهو في وضعٍ لا يُحسد عليه، ولكن بعد أن رحل عن مدينته واستقلّ بأرضه وأهله تعلّم كثيراً وهذّبته المصاعب والغربة التي مرّ بها حتى استقرّ، وليس أدلّ على ذلك من إرساله الرسالة إلى القاضي بعد الأخذ بالحيطة والحذر.

قال الملك: دع عنك هذا وأكمل القصة لعلّي أغيّر رأيي فيه، فماذا حصل بعد خروجه من دار القضاء؟

قال الوزير: خرج الأخ الأصغر خائفاً يترقّب، ولكنّ دهاءه الفطري والظروف الصعبة التي مرّ بها جعلته يتماسك وأرجعته إلى دار القضاء ثانيةً، فوقف في مكان قريبٍ حيث يرى القاضيَ الجديد والغريب وهما لا يشعران به، فاسترق السمع وفوجئ بما سمع منهما، ثم خرج مسرعاً وهو يقول ويكرر: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنشد:

 

بغيرِ سلاحٍ كيف أضربُ في العدا

                             وكيف أردُّ الظلمَ عنّيَ والردى

وكيف أسلّي النفسَ وهي حزينةٌ

                          وهذي جيوشُ الحزنِ تغزو مجدّدا

يعلّمني دهري بأنْ أترددا

                          وأنْ لا أخوضَ الحربَ إلا مُسدِّدا

 

واتجه مباشرة شطر منزل أخيه الأوسط، فلم يكن يريد أن يعلم أخوه الأكبر بوصوله ولا أن يلقاه حتى يحضر أخوه الأوسط ويعرف منه الأخبار، وهو يمشي في إحدى الطرق رأى صيّاداً ماهراً من أصدقاء صباه وهو يقف قرب أكمةٍ (مرتفع جبلي صغير)، فقال له بعد السلام والتحية: ماذا تصيد هنا وليس هذا المكان مكان صيد؟ فقال الصائد: اقتصصت أثر أفعى هنا وخشيت أن تلدغ أحداً من المارة أو الأطفال الصغار، وقد عاهدت الله أن لا أترك أفعى قريبة من الناس إلا أبعدتها عنهم.

قال الأخ الأصغر: وأين هي؟ قال الصائد: هذه هي فأهوى عليها بعصاه بسرعةٍ وثبّت رأسها ثم أمسكها منه ووضعها في وعاء خاصٍ بها، فقال له: ما أسرع إمساكك بها، والله إنّك ماهرٌ كما عهدتك. قال الصائد: لا تمسك الأفاعي إلا بسرعةٍ ومن رأسها فإن أمسكتها من مكانٍ آخر هلكت، ثم انصرف ليطلقها في الجبال البعيدة عن الناس.

قال الوزير: تابع الأخ الأصغر سيره إلى بيت أخيه الأوسط، وكلمات صائد الأفاعي تدور في عقله وهو يقول: الأفعى لا تُمسك إلا من رأسها بعد تثبيتها بالعصا وإلا لدغتك، والله إنّها لحكمة تعلّمتها اليوم ويجب أن يعمل بها كل ملكٍ ذي عزم ورجلٍ صاحب حزم.

في ذلك الوقت عاد الأخ الأوسط إلى بيته بعد أن زار أخاه الأكبر وأخبره بما جرى واتفق معه على اللقاء في المساء، فدخل البيت وسلّم على من فيه ونادى على زوجته الأديبة العاقلة فلم يجدها، ولكنّه وجد بيته في أحسن حالٍ وكأنّه لم يفارقه، فكلُّ المؤونة التي تركها باقية لم تتغير ممّا جعله يدخل في حيرةٍ من أمره، فخرج مسرعاً يبحث عنها حول بيته فوجدها قادمةً من جهة السوق هي وخادمةٌ لها تحمل بعض المتاع، فقال لها: ويحك لقد كدت أمرض خوفاً عليك! قالت: أهلا ومرحبا بالزوج الأصيل الكريم، وأثنت عليه بأحسن الثناء وذكرت شوقها الشديد له بعد رحيله عنها، وقامت بواجبه حتى أنسته خوفه وتعب الغربة وأمر الغريب، فارتاحت نفسه وهدأت وأخذ يقصُّ عليها أخباره.. وللمقالة بقيّة.