لم يزل الحذر من صفات أهل الرأي وأصحاب الخبرة الطويلة في الحياة، وكم علّمتنا التجارب أن نشهر سيفه في كلّ حينٍ، ولا نركن إلى الراحة واللذّات، حتى لا يأتينا العدو في غفلتنا من حيث لا ندري، بل نتوكّل على الله ونثبّت دعائم ملكنا بالعدل والإحسان، وأخذ الشورى من العلماء الصالحين وأولي الألباب الصادقين الناصحين، فمن اكتفى بعلمه ولم يستشر، هلك، ومن ترك نصيحة العقلاء تضعضع ملكه وضعُف، حتى يأتي أمر الله عليه فينتقل سلطانه إلى ذاكرة التاريخ، وكذلك حال الناس في حياتهم ومعاشهم، إذا لم يحذروا ويستشيروا فإنّهم معرضون للمحن والمصائب لا محالة، يقول هذا الملك الحكيم لوزيره.
قال الوزير: يا مولاي إنّ أولي العزم من الناس لا يغمدون سيف الحذر، ولا يكسرون قلم الشورى، فمن غفل سُلِب، ومن لم يستشر عُطِب، والأمر سهلٌ لمن أخذه عادةً له، ولا يصحُّ لنا أن نخوّن أحداً قبل ثبوت التهمة عليه، ولا يصلح أيضاً أن نطمّعهم فينا بغفلتنا وتكبّرنا عن مواجهة الواقع، ثم نلقي الذنب كلّه على هؤلاء الطامعين، بل الذنبُ ذنبنا أولاً وأخيراً، واللوم علينا، فقد تركناهم يطمعون فينا، ولم نفعل شيئاً حتى كبرت جماعتهم، وقويت شوكتهم، وتعاونوا مع الشياطين لإدراك غايتهم، ونحن ننظر إليهم ولا نصدّهم من أول يوم.
قال الملك الحكيم: كلُّ صاحب هوى يبحث عن صاحبه في الهوى نفسه، ومن خان أولاً يخون ثانية، ومن صدّق الغرباء في أهله وجعلهم بينه وبين شعبه، فقد ترك الحذر وأخذ الرأي من أهل المطامع، وليس من أصحاب الإخلاص له، ثم أنشد:
لا تسمعنّ مقالةً من جاهلٍ
واحذرْ وشاورْ زُمرةَ الحُكَماءِ
وابعدْ عنِ الأغرابِ لا تسمعْ لهمْ
فالشرُّ مرجعهُ إلى الغُرَباءِ
إنّ القريبَ يحفُّ حولكَ قلبهُ
أمّا الغريبُ فقربهُ كالداءِ
ثم قال الملك لوزيره: أخبرني بما صنع الأخ الأصغر عندما رأى غريمه الغريب مع قاضي المدينة الجديد القادم من نفس مدينته؟، قال الوزير: كانت مفاجأةً كبرى له، ولم يحسب لها حساباً، ومما زاد الأمر غموضاً أنّه علم وهو في دار القضاء، بأنّ هذا الفارس أيضاً قدم مع القاضي، ويعمل عنده بأمر الملك المنصور، فأسقط في يد الأخ الأصغر، ولم يدر ما يصنع، ولكن نفعه حذره السابق، عندما أرسل الرسالة إلى أستاذه القاضي الراحل، فقد كتبها بحبرٍ خفيٍّ لا يُقرأ ولا يعرف كيف يظهره إلا أستاذه القاضي الراحل، الذي علّمه الطريقة، وقد كتب عليها أسطراً قليلةً، تحسّباً أن تقع في يد أعدائه، وقد كتب فيها يشكو الغريب ويذكر إساءته له.
قال الأخ الأصغر مدافعاً عن نفسه: أيها القاضي الجديد، إنّي لم أعرف هذا الغريب إلا أيام محنتي مع إخوتي، وقد وقف معي واشترى منّي أرضي، وزاد لي في ثمنها، ولكنّي سمعت بالإشاعات وأنا في الغربة تقول إنّ الغريب يشوّه سمعتي عند إخوتي، ويزعم أنّي بعته الأرض لأنتقم منهما على ما فعلا بي، وهذا ظلم منه.
قال الغريب: وكيف صدّقتها ولم تتثبّت منها؟ ألم تعلم أنّ الإشاعة تبنى على الكذب؟! قال القاضي: لقد عجلت أيّها الشاكي وظلمت من أعانك ووقف معك، وإنّي خشيةً منّي على سمعته، جعلت الفارس ينتظركم كلّ هذه الأيام، والآن، إما أن تترك دعواك أو أثبت افتراءك عليه وأقضي بجلدك عشر جلدات، تعزيراً على الافتراء على المحسنين.
قال الأخ الأصغر وهو في حالةٍ من الهلع: بل أترك شكواي وأطلب من الغريب العفو والصفح عنّي، ومنك ومن جميع من أسأت إليهم. قال القاضي وقد تهللت أسارير وجهه فرحاً: هذا هو العقل، هيّا انصرف، ولا تعد إلى ذنبك ثانية.. وللمقالة بقيّة.