في كل علمٍ يتعلّمه الإنسان وكل خبرةٍ يحصل عليها لا بدّ أن يرتفع درجةً أعلى عن درجته السابقة ومن توقّف عن تحصيل العلم واكتساب الخبرات فقد توقّف عمره عند تلك المنزلة التي توقف عندها تحصيله، ويعجبني في الرجل حذره وفهمه وكثرة خبراته فهو العبقريُّ واللوذعيّ الذي لا توقفه عقبة كأداء ولا يعجز عن شيءٍ في مقدور البشر أن يقوموا به، وهو رجل كل المراحل يعرف متى يبدأ وأين ينتهي، يقول هذا الملك الحكيم لوزيره، ثم قال بعد لحظات من التفكّر: ولكن أخبرني أيها الوزير كيف وثق هذا الرجل الحذر والإخوان بالفارس المجهول وهم لا يعرفون صدقه من كذبه ألم يكن الحزم أن يتأكدوا منه؟
قال الوزير: يا مولاي لم يكن أمر الفارس بغريبٍ على الأخوين لأنّهما أرسلا رسالةً للقاضي قبل خروجهما من المدينة وعندما أخبرهما بأمر الرسالة اطمأن الأخ الأصغر وصدّقه أخوه وتركا الحذر المطلوب، ولكنّ الرجل بطبيعته المحاربة توجّس منه خيفةً لأنّه لم يسلّم عليهم أول وصوله إليهما، ولم يضع يده في الطعام الذي قرّبوه له، وكذلك لماذا جلس ينتظرهم ثلاثة أيّام وما سر هذا الاهتمام الكبير بهذه القضيّة من قاضي المدينة وهو غريب عن المدينة بأسرها، ولم يُعيّنه الملك إلا منذ أسابيع معدودة بعد وفاة القاضي الصالح؟!، كل هذه الأفكار باتت تجول في رأس الرجل فلم يغمض له جفن حتى أصبحوا.
لما صلّوا الفجر قال الأخ الأوسط: أنا سأذهب إلى أخي الأكبر أبلّغه بأمرنا ثم أذهب إلى بيتي وأمرّ على أرضي لأنظر ماذا فعل العمّال في غيابي، فقال الأخ الأصغر: أنا والفارس سنذهب إلى دار القاضي لنضع حداً لمكر هذا الغريب وأعرف سرّ عاملي السابق، أما الرجل فقال: اذهبوا على بركة الله وأنا سأتجوّل في مدينتكم لأنّي لم أزرها من قبل ولقاؤنا مساءً في بيت الأخ الأوسط ثم تفرّقوا وكلّ انطلق إلى جهته.
بقي الرجل في مكانه لمدةٍ من الوقت حيث بأخذ الشك حيّزاً كبيراً من تفكيره فقرّر أن يتجّه جهة قصر الملك المنصور ملك هذه المدينة فاستأذن بالدخول عليه فأُذن له فدخل وحيّاه بتحية الإسلام وأثنى عليه ثم طُلب منه أن يجلس قريباً من الملك فجلس فقال له الملك المنصور: كيف حال الملك العادل وكيف مدينتكم التي عصفت بها الأفكار والأهواء فدمّرتها؟
قال الرجل: مدينتنا في أحسن حال ونحن نعيد بناءها بقوّةٍ وستعود أفضل مما كانت عليه، قال الملك: وماذا لديك قال هذه رسالة من الملك العادل إليك، فسلّمها له وبدأ الملك المنصور بقراءتها فلما انتهى قال للرجل: وأين هم أصحاب الأرض؟ قال الرجل: ذهب كلُّ في طريقٍ، قال الملك المنصور لوزيره: ليحضروا جميعا بعد ثلاثة أيام والغريب معهم.
وصل الأخ الصغير مع الفارس إلى قاضي المدينة فلما دخل للسلام عليه فوجئ بوجود الغريب عنده وهو يضحك معه بصوتٍ مرتفعٍ، فلمّا رآهما وقف ولم يملك أن يحرّك قدمه من التعجّب كيف يجلس القاضي مع الغريب في دار القضاء وكأنّه من أصدقائه؟ وأين هيبة القضاء التي كانت موجودة أيّام القاضي الصالح رحمه الله؟ يسأل الأخ الصغير في نفسه هذه الأسئلة وهو في أشد الغضب والحزن، فما كان من قاضي المدينة إلا أن قام مسرعاً ورحّب به، وفعل الغريب مثله وقال له: مرحباً بك يا صديقي القديم، وإن كنتُ عاتبا عليك في اتهامي بتشويه سمعتك عند أخويك بعد رحيلك عن المدينة وأنا لا أفعل هذا، ومن أخبرك عنّي فقد كذب عليك وهذا القاضي الجديد يعرفني جيداً فنحن من مدينة واحدة!. وللمقالة بقيّة.