الزمان يدور ولا يتوقف عن الدوران فيستقبله صاحب الحزم والعزم فينال ما يريد منه بإذن الله ويمرّ على المشغول في لهوه ومتعه والغافل عن كل ما ينفعه في أمر دنياه ودينه فيزلزل الأرض من تحت أقدامه زلزلةً خفيفةً لينتبه ويعود إلى أصله وطبيعته وليحذرَ من مكر الله وبعد ذلك ينصرف عنه، ثم يمرّ عليه مرةً أخرى بعد فترةٍ ليست بالبعيدة فإذا وجده في نفس حالته الأولى ولم يأخذ حياته بالحزم وأعدّ العدّة أخذه معه وقضى عليه وانتهى الأمر، وهذه حال الممالك وملوكها في الماضي والحاضر لأنّ الوقت ليس كالسيف كما يقولون بل هو أحدُّ من السيف فتكاً وخضماً، يقول هذا الوزير المخلص لملكه الحكيم ثم أنشده أبياتا تذكر فيها الظالمين وتتمنى لو أنّهم عدلوا فبقوا:
ويا أيها الطّاغي أأنــتَ مخـلَّدٌ
فتفرحَ بالطغيانِ أمْ ليسَ منْ خُلْدِ
فإنْ كنتَ لا تدري فهذي قبورهمْ
ملوكُ الورى صاروا إلى ظُلَمِ اللحْدِ
وهذي عروشٌ قد تهاوتْ عنِ العلا
فمنْ هالكٍ مُردى ومنْ هاربٍ فرْدِ
ولو عـــــدلوا كانوا شموسـا لأهلهمْ
ولو سمعوا قولَ النصيحِ منَ الودِّ
قال الملك: الحمدلله الذي رزقني بوزيرٍ عالمٍ محنّكٍ ووفيٍّ مثلك وإنّ الدول لا تقوم وتزدهر وتبقى إلا بوجود أمثالكم حول الملوك كمثل هذا الرجل الذي تحدّثني عنه فقد كان نعم المعين للملك العادل، فاكمل قصتك وماذا حصل للثلاثة بعد ذلك؟
قال الوزير: انطلق الرجل مع الأخوين وكانوا في رحلتهم أحذر من ولد الغراب وأظهر الرجل من مهارات الصيد والرمي ومعرفة الأرض شيئاً نادراً حتى أنّه يشمّ التراب فيعرف اسم المنطقة وقرب الماء وبعده عنهم، فنال إعجاب الأخوين وذات يوم نفد الماء وهم في طريقهم فخشوا على أنفسهم ففارقهم الرجل لساعاتٍ ثم عاد بالماء، فقالوا له وهم في غاية التعجب: كيف وجدت الماء والماء نبعد عنه يوما ونصف اليوم؟! قال: هذا مما تعلّمته من بدو الصحراء فهناك شجرة تحفظ الماء في جذورها وقد وجدتها فاحمدوا الله على السلامة وكل علم أتعلمه يفيدني ولا أحتقر علماً أبدا.
لمّا رأى الرجل والأخوانِ مشارف مدينتهم قال لهما: أنتم أعرف بمدينتكم والأمر الآن شورى، قال الأخ الأوسط: لقد أدركنا الليل وأبواب المدينة قد أقفلت فدعونا نبيت هنا حتى الصباح ثم ندخلها آمنين، فوافقوه على ذلك وجلسوا بعد العشاء يذكرون للرجل تاريخ مدينتهم وقصة والدهم وكيف استطاع أن يمتلك أجمل الأراضي في هذه المدينة من عزمه وحزمه وكيف قسّمها بينهم ثم ذكروا له ملكهم المنصور الذي لا يُظلم أحد في مملكته وهو يعلم وعندما يكتشف الظلم يزيله بنفسه ويذيق الظالمين أشد العذاب حتى يكونوا عبرةً للآخرين.
وبينما هم كذلك إذ أقبل عليهم فارسٌ في كامل سلاحه فأخذ الرجل كنانته بأسرع من لمح البصر وتناول سهما منها وسدده جهة الفارس المقبل عليهم ثم نادى إذا اقتربت أكثر فلا تلومنّ إلا نفسك، قال الفارس: لا تخف أنا رسول قاضي المدينة فهل بينكم الأخ الصغير ابن صاحب الأرض؟، فأنزل الرجل قوسه .
وقال: اقبل هذا هو الأخ الأصغر، قال الفارس: أنا أنتظركم منذ ثلاثة أيام وكلما أقبل ركب سألتهم عنكم والحمد لله أنّي وجدتكم، قال الأخ الأصغر: كيف حال قاضي المدينة الصالح؟ قال الفارس: لقد توفي وخلفه قاضٍ آخر من مدينةٍ مجاورة، وهو من استلم رسالتك وأمرني أن استقبلكم عند باب المدينة. قال الأخ الأصغر: والله إنّ وفاة هذا القاضي الصالح لمصيبة كبرى فإنّي لم أر مثله في تحرّي الحق وكنت أحب الجلوس معه والسماع إلى علمه لقد كان نعم القاضي رحمه الله رحمه الله، قال الفارس وعيناه تلمعان مثل البرق على صفحة الماء: هذا القاضي لا يقلُّ عنه عدلاً وصلاحاً ثم ابتسم .. وللمقالة بقيّة.