الناس لا يعرفون قيمة ما لديهم من الأشياء الثمينة إلا بعد أن تزول عنهم أو تضيع فيشعرون بقيمتها حينئذٍ، وتتقطّع أنفسهم حسرةً على ما فرّطوا فيها، وهي طبيعةٌ بشرية تقع لكل فردٍ منّا ولكنّ معظم هذه الأشياء الضائعة يمكن نسيانها إلا ما كان متعلّقاً بالمُلْك فإنّ ضياعه قاصمة ظهر الشعوب ومفرّق شملهم ومُعيدهم إلى أوّل درجات سُلّم الحضارة والأمن والنعمة ولن يستطيعوا العودة إلى عزّهم الذي تهاونوا في حمايته والدفاع عنه إلا بمرور وقتٍ طويلٍ وقد لا ينجحون، و أكبر شاهدٍ على ما أقول هذه الممالك التي رأيناها تسقط وتتغيّر بأعيننا أو سمعنا عنها من أجدادنا، كلها ضاعت بسبب خيانة الأقرباء أو غفلة العقلاء، ولولا الله ثم عزيمة والدي الملك المظفّر لضاعت مملكتنا أيضاً بسبب جهل أعمامي وانشغالهم بما لا ينفعهم، يقول هذا الملك لوزيره.
فقال الوزير: لا يزال الرجل يروي حكايته على الأخوين في تلك الليلة المقمرة فقال: عندما أخذت أمان الملك لقريبه الخائن إن ظفرت به، جمعت أكفأ ثلاثين رجلا؛ عشرة من أفضل رماتنا وعشرة من أفضل المبارزين بالسيوف وعشرة من العدّائين الذين لا تسبقهم الخيل، قال الأخ الصغير: وما كنت تقصد بهذا؟ قال الرجل: اصبر سوف أخبركم، لقد بلغني أنّ قريب الملك الخائن لديه حرس من الأعداء يرافقونه أينما ذهب، وهم لا يزيدون على خمسين رجلا وقد دبّرت خطةً محكمة لصيده والإتيان به حيّا، قال صاحب البيت: وماذا فعلت؟ قال الرجل: علمت أنّه يحبّ السباحة قرب ماء يعلوه جبل صغير ويحف به الشجر من أطرافه فجمعت رجالي تلك الظهيرة وجعلت الرماة فوق الجبل فلا يراهم أحد وجعلت العدائين يثيرون حراسه فتبعوهم في جهات مختلفة ولم يدركوهم من سرعتهم فقابلهم أهل السيوف فقتلوهم ومن تبقى منهم اختطفت أرواحهم سهام رماتنا، ثم هددناه إن لم يستسلم ستصيبه السهام فاستسلم وألقى سلاحه.
أخذته مقيّدا إلى أحد الكهوف المجاورة لأنّ الأعداء سيبحثون عنه لا محالة، فلّما وصل أطلقته وأعطيته ماءً ليشرب فلما هدأت نفسه قلت له: أجبني وإن لم تفعل سأقصمك نصفين بسيفي هذا، كيف تخون ملكنا العادل وأنت من عائلته وأقرب الناس له؟! قال: لم أخنه بإرادتي بل هو من دفعني إلى ذلك.
قال الرجل: قلت لك أجبني ولا تدلّس. قال الخائن: نعم هو من دفعني لخيانته فقد تركني للأغراب يعلّموني ويغذّوني من أفكارهم ولمّا كبرت أهملني فأخذني هؤلاء إلى ديارهم حتى صرت واحداً منهم ولم أكن أعلم بما يريدون منّي ووعدوني بأنّني سأقود البلاد وأغيّر من حال الفقراء الذين فيها، وسأفوز بالجنّة بالتيسير على المعسرين وتطبيق العدالة التي ليست في مملكتنا، ثم لما بلغت مبلغ المسؤولية لم يعطني ملكك الذي تسميه عادلاً أيّ مسؤولية أقوم بها بل أعداؤه هم من زرع وسقى والآن يحصدون ولائي لهم بل جعلوني قائداً على الثورة التي ستنتصر عليكم وعلى ملكك، ولهذا لا تقل إنّي خائن بل أنا ثمرة أعدائه الطيبة ورمح مسموم في قلبه الظالم.
قال الرجل، فقلت له: أنسيت كل أفضال ملكنا العادل عليك؟ أنسيت أنّ زواله يعني زوالك؟ كيف تضع يدك في يد أعداء بلادك التي هي مصدر الخير لنا كلّنا ويأتيها الناس من كل مكان ليجدوا الرزق الحلال فيها، ومملكتنا تعين الممالك الأخرى ولا تضرّ أحداً، كيف تنسى أنّ الملك العادل هو لحمك ودمك وأنّه وإن أهملك فليس يعني أنه يبغضك وإن لم يعطك مسؤولية فهذا لا يعني أنه يحتقرك بل آثر من هو أكفأ عنك. ألست ترى هذا النعيم والخير والأمن الذي أنت فيه أليس هذا من عطاياه ومن حكمه العظيم لرفعة مملكتنا! إن لم تذكر هذا كله ألم تذكر أنّ الأعداء إذا ملكوا هذه الدار سيجتثون كل عائلتك الحاكمة وسيجعلون أعزة أهلها أذلّة؟!
قال الخائن وقد ظهرت عليه علامات الحزن الشديد والذلة: والله إنّي أعلم هذا وقد شعرت به ولكنّي لا أستطيع العودة فتربية الصبا والقسم الذي أقسمته لهم يمنعاني منها. قال الرجل: فقلت له: بل ستعود وأعدك بأمان الملك العادل إن تعاونت معنا وأعنتنا على حربنا ضد عصابات الأعداء، فلبث الخائن أياما يفكّر ويقلب الأمر ويجادلني في كل مسألة زرعها الأعداء في قلبه حتى زالت عنه الغشاوة بفضل الله واقتنع بكلامي الذي أيّدته بالشواهد العلمية والفكرية ثم أحضرته إلى قريبه ملكنا العادل فعفا عنه ودلّه على كثير من أسرار العدو حتى تمكنا من دحرهم وأخرجناهم من أرضنا يجرّون ذيول الخيبة، وإنّ من العسر يسرا. وللقصة بقية.