ضاقت الأيام على الإخوة الثلاثة، بعد أن نسوا وصيّة والدهم وتركوا الشقاق يدخل في حياتهم، وتحكّمت مشاعرهم بهم، فلم يفكّروا في مصلحتهم العامة، وتغلّب عليهم صاحب المكر بسهولة وهم في غفلة، لم يشعروا بخطره حتى حلّ بهم، والآن يحاولون التخلّص منه، وقد تبوء كل محاولاتهم بالفشل إذا تأخروا أكثر، وهكذا تفعل الغفلة بأصحابها، وكلّ من ركن إلى الراحة وترك الأخذ بالحيطة والحذر، وكم رأينا من ممالك عظيمة تهاوت عروشها بسبب ركون أهلها إلى الحياة الرغيدة، وخلودهم إلى الطمأنينة، فلم يشعروا إلا والأعداء تحيط بهم أو تخرج من أراضيهم، كما صنعوا بتلك المدينة التي دمّرها أعداؤها الحاسدون، فلبسوا لباس التقوى، ودلّسوا على أهلها، حتى تمكنّوا من عقول الصغار، فسقطت مملكتهم ودمّرت، ورجعوا الآن بعد استتباب الأمن فيها إلى بنائها من جديد، يقول هذا الوزير للملك، ثم أنشده:
ومنْ لم يُحصّنْ بالشبابِ بلادهُ
فليسَ بناجٍ إنْ أحاط به الردى
بعد ساعات من وصول صاحب البيت وضيفيه إلى المنزل، شرعا في الاستعداد للرحلة إلى مدينتهما، وبينما هم كذلك، إذ أتى مضيفهما ومعه رجل متوسط القامة، تظهر على وجهه علامات الحكمة والعلم، ولكنه كان في كامل أُهبته، كأنّه سيدخل معركة فسلّم عليهما وقال: أمرني مولاي ملكنا العادل بمرافقتكما إلى مدينتكما، وقد أخبرني بقصتكما، وإني وعدته بالإخلاص لكما حتى تنفرج الغمّة وتتخلصان من الغريب، قال الأخ الأوسط: مرحباً بك، وسمعاً وطاعة لأمر مولانا الملك العادل، وسنبدأ المسير غداً بعد صلاة الفجر.
وفي المساء، جلسوا جميعاً يتسامرون في تلك الليلة المقمرة، وكان الرجل يتفنّن في أنواع الكلام وينشد الأشعار ويروي أخبار الحروب التي نشبت في المدينة، وكيف استطاع الملك العادل أن يتغلّب على الأشرار من الممالك التي تجاورهم، الذين حسدوا مملكته لما رأوا الخير والنعمة التي كانت تعيش فيها، وكان أهلها في غفلة عمّا يُخطّطه أعداؤهم، فأرادوا تدميرها ليخلو الجو لهم، وليعود طريق التجارة إليهم، ثم لا يقدر أحد على منافستهم بعد ذلك، ولكنّه بقفزة من قفزات الدهر استطاع أن يوحّد شعبه، ويتخلّص من كل الخائنين، وكنت أنا أحد جنوده المخلصين آنذاك، حتى تحقق النصر، وبدّل الله حالنا من العسر إلى اليسر ثانيةً، ولكننا كما ترون نحتاج إلى عقود من الزمن حتى نعود إلى الحالة التي كنّا عليها من قبل، وقاتل الله الغفلة، قاتل الله الغفلة، وحسن الظنّ في الغُرباء، فلم نجنِ منها إلا الخراب والدمار.
قال الأخ الصغير: أخبرنا، وأنت خضت غمار كل هذه المعارك، عن أشدِّ موقف رأيته خلالها؟ قال الرجل: المواقف كثيرة، وتهمل لها العيون دماً لا دمعاً، ولكنّ أشدّها ما وقع لي عندما وجدتُ أنّ رأس الأشرار الذين تربوا على بغضنا ومنابذتنا هو رجل من عائلة الملك العادل نفسه ومن خاصته، وهو لا يعلم به، ولم أجد بدّاً من إخبار الملك، فكانت صدمته كبيرة، حتى إنّه اعتزل الناس لأيّام، وقال لي: هذا الذي كنت أظنّه سيكون سنداً لنا في معركتنا مع الأعداء، نكتشف أنّه يرأسهم، إنّ هذا لهو البلاء العظيم!!، فمن يأتيني به حيّاً أو ميّتاً، قلت له: أنا آتيك به بشرط واحد، قال الملك العادل: وما شرطك؟ قال الرجل: إن ظفرتُ به حيّاً، أريد منك أن تتركه رهينةً عندي قبل أن تحكم عليه، قال الملك: لك ما شرطت، ولا تتأخر، فهو أقدر على ضرّنا من أي شخص آخر، ثم أنشد متمثّلاً، وكان الملك من رواة الشعر:
كيف السبيلُ إلى النجاةِ وإنّ لي
رجْلاً تكادُ منَ الهشاشةِ تُكسرُ
كلُّ المصائبِ قد خبرتُ حلولها
إلا القريب إذا يخونكَ تخسرُ
وللمقالة بقيّة.