قال الملك لوزيره: يعجبني كلّ ما صنع الأخوانِ، فقد تركا الأضغان القديمة وفكّرا بما يكفل لهما رجوع حقّهما من الغريب، ولو بقيا على الحالة الأولى لقُضي عليهم وعلى ما تبقّى من أرضهم وإنّ التعاون على الشر ليضعفه أو يزيله، وكذلك الحقّ يحتاج إلى موقفٍ صادقٍ ليدمغ الباطل فيزهقه، فاخبرني أيّها الوزير المخلص ماذا كان من أمرهما بعد حوارهما مع صاحب البيت في تلك المدينة المدمّرة التي يُعاد بناؤها من جديد.
قال الوزير: أخذ الأخوانِ بأطراف الحديث مع صاحب البيت الكريم حتى انتصف الليل فقال لهما وهو يهمُّ بالقيام: أترككما لتستريحا الآن، لأنّ من عادتنا التي ورثناها من أجدادنا أنّنا نُحضر الضيوف إلى بلاط ملكنا العادل ليسلّموا عليه وليعرف أخبارهم، وسنذهب إليه غدا في أول الصباح فمجلسه يبدأ مبكراً كلّ يوم ولا يغيب عنه إلا نادراً، فقال الأخ الأوسط له:
نريد العذر منك لأنّه يجب أن نتابع المسير إلى مدينتنا صباح الغد، قال الأخ الصغير: بل نذهب للسلام على ملك المدينة، ألم تعلم يا أخي أنّ الضيف في حكم مضيّفيه ولا يجوز لنا أن نغيّر من عادات أهل هذه المدينة الكرام، وكذلك لدينا وقتٌ كافٍ للوصول في الموعد المناسب، قال الأخ الأوسط: ولماذا تريدنا أن نتأخّر والأمر جللٌ وأخونا الأكبر هناك يعاني من ظلم الغريب؟ قال: اصبر إنّ الله مع الصابرين ولكلّ أمرٍ مدى.
قبل أذان الفجر استيقظا وانطلقا إلى المسجد وبعد انقضاء الصلاة جلس الإمام يحدّث الناس عن آفة الفكر الضالّ الذي يفسد القلوب ويفرّق الناس ويجعلهم أحزاباً متناحرين وقد ظهر في وجوه المصلين الحزن الشديد الذي عرفه الأخوانِ، فلّما انتهى من حديثه سلّما عليه وسألاه: ما جدوى حديثك وقد فعل الأشرار بمدينتك ما فعلوا لأنّكم فتحتم لهم الأبواب ولم تراقبوهم وأعنتموهم على باطلهم حتى استدرجوا أبناءكم واستحوذوا عليهم فصاروا أعداءً لكم؟ قال الإمام وهو يبتسم: قرّر علماء المدينة المخلصون ألا يتركوا غريباً يحدّث في مساجدهم إلا من وثقوا في عقله وعلمه وخبروا أخلاقه وصدقه، وقد أمرونا أن نذكّر المصلين بما حصل لنا ونحثَّهم على نبذ أي فكرٍ دخيلٍ علينا ثم أنشد:
إنّ القلوبَ إذا ذكّرتها ذكرتْ
وإنْ غفلتَ فللنسيانِ داعيها
قال الوزير: رافق الأخوانِ مضيفهما صاحب البيت إلى قصر الملك الذي لا يزال البنّاؤون المهرة يقومون بتحصينه وتكبيره بعد البلاء الذي حلّ به، فدخلا القصر حتى وصلا إلى مكان عرش الملك العادل وسلّما عليه وكان مجلسه مهيباً فيه أعيان المدينة والعلماء وقادة جيشه وقد شعرا بالهيبة من هيبة المكان، وبعد أن أخذا مقعدهما قريبا من العرش قال لهما الملك: مرحبا بكما في مدينتنا التي ضاعت منّا ولكنّا بحدّ السيف والفكر الصحيح ومجابهة الأعداء بنفس طُرُقهم وبالإصرار استطعنا أن نهزم الأشرار ونخرجهم من ديارنا وإن كانوا من لحمنا ودمنا فلا بدّ أن نبتر الجزء المريض من الجسم ليعيش الباقي، وهكذا فعلنا ولكن كلّفنا هذا الأمر أرواحاً طاهرة كثيرة ودماراً كما ترونه في أرجاء أرضنا، ولو لم نغفل عن هؤلاء الأعداء الذين دخلوا علينا باسم العلم والدين لكنّا اليوم في أحسن حالٍ وتابعنا تقدّمنا ورفاهية شعبنا.
قال الأخ الأوسط للملك: حفظ الله مولاي الملك وأدام الأمن في بلادكم، إنّ لنا أرضاً من أعجب الأراضي شجراً وثمراً في مدينتنا وقد استطاع غريبٌ بمكره وكيده أن يستولي على منبع الماء فيها حتى أصابنا منه شرٌّ كبيرٌ وذلّة ونريد منكم نصيحتكم عسى الله أن يفرّج عنّا، قال الملك: إنّ لي أيادي على ملككم أيّام غنى مملكتي وعزّها وكثرة تجارتها ولا أظنّه سيردُّ لي طلباً ولأنّكما ضيوفنا سأعينكما برجلٍ من خاصّتي داهية من دواهي هذا العصر، وهو أسرع فكراً من أيّ رجل شاهدتموه في حياتكم، ثم نهض الملك من مجلسه وتحدّث مع وزيره بكلماتٍ لم يسمعهما الأخوانِ وانصرف هو وحاشيته والحضور يتابعونهم بأعينهم حتى أُغلق الباب العظيم.
قام الأخوانِ وعادا مع مضيفهما واتجهوا إلى البيت للاستعداد للسفر فقال الأخ الصغير وهم في لحظات صمت: منْ يا تُرى هذا الرجل الذي سيرسله معنا وما حاجتنا إليه؟ قال صاحب البيت: إيّاك لا تحتقر أحداً، فإنّ ملكنا العادل له من العقل والحكمة ما لو وزّع على أهل مدينته لكفتهم وإنّي أظنّكم به ستنتصرون وربّ رجلٍ عن ألف رجل.. وللمقالة بقيّة.