قال الملك لوزيره: لقد كان في معاملة الأخ الصغير لأخيه الذي ظلمه لعبرةً للناس، فإنّي ظننته سيطرده ويهينه كما فعل به، ولكنّ أخلاقه الكريمة هي التي منعته من مجازاته بمثل ظلمه، بل قدّم القربى، وحكّم المروءة على غضبه وحزنه، وإنّ فعله هذا يذكّرني بما فعل أبي «عليه رحمة الله»، عندما غمطه إخوته حقّه وحرموه ومكروا به وكانت وصية الملك له، ولكنّه كان أسرع تفكيراً وأشدّ بأساً منهم، فما لبث أن فصل أرضاً من مملكة أبيه بعيداً عنهم، وكوّن مملكته، وقوّى جيشه، واستعان بأهل الصدق والحكمة والعلم، وفي نفس الوقت كانت مملكة أعمامي تتهاوى أمام أعينهم، وتسقط شيئاً فشيئاً، وبسبب ظلمهم جاعت رعيّتهم فثاروا عليهم، وما كان منهم إلا أن طلبوا النجدة من أبي الملك المظفّر، فجاء بجيوشه وأنقذ مملكة آبائه، وأعاد العدل والرخاء لشعبه، ووحّد المملكتين، ولم يظلم إخوته عندما ظفر بهم كما ظلموه، بل عفا عنهم، ولكنّه طلب منهم الابتعاد عن سياسة الشعب، ففعلوا.

قال الوزير: يا مولاي إن كان للباطل جولات يبقى منتصراً فيها، فإنّ الحقَّ يحتاج إلى جولة واحدة صادقة لينتصر، وهذا التاريخ فيه كثير من القصص التي تؤكد ما أقوله وتبيّنه، وهذا هو الأخ الصغير الذي ظُلم من أقرب الناس إليه، يعود لينصرهم بعد طول فراق، وقد غلّب مصلحتهم العامة على الأهواء الشخصية والأضغان القلبية التي سبّبها مكر الغريب الذي وثقوا فيه جميعاً.

 

أُذّن لصلاة الفجر، وبعد الصلاة بدأ الأخ الأوسط مع أخيه في المسير إلى مدينتهما، وقد ترك ابنه الذي ناهز الحُلُم ليؤدي مهامه في غيابه، وهو شاب يُعتمد عليه، لأنّه أحسن تربيته، وعلّمه أحسن تعليم، فرافقهم إلى أول طريق المسافرين، فوقف أبو ه معه يوصيه بوصايا جليلة، والوصيّة من أهم الأمور التي حرص عليها أسلافنا، وفيها خير كثير، لكنّ أكثر الناس يغفلون عنها، ثم ودّعاه وانطلقا يسابقان الريح حتى أدركهما الظلام قرب مدينةٍ بدت كأنّها مهجورة، لولا بعض النيران من هنا وهناك، فاستضافهم أحد سكّانها وبالغ في إكرامهم، فسألاه عن مدينته وعن سرّ هجران أهلها لها؟

قال صاحب البيت: إنّها قصة طويلة، جرت منذ زمن بعيدٍ، عندما كانت المدينة مزدهرةً، وتجارتها رائجة، والناس في خير ورفاهية، حتى طمع فيها أعداؤها المنافسون لها، فدخلوا في زيّ معلّمين دراويش، وأخذوا يسقون الطلبة من سمومهم وأفكارهم الشريرة، والعجيب أن أهل الحكمة والرأي منّا لم يفطنوا لهم، بسبب دخولهم الخفي، وصبرهم الطويل الذي لا يمكن أن أصفه لكم، فهو ضرب من المستحيل، ولكنّ هؤلاء الأشرار تمكّنوا من الوصول إلى عقول الأطفال، فكبروا على أقوالهم وموالاتهم، حتى جاء اليوم المعلوم.

قال الأخ الصغير: ويحكم.. كيف سمحتم لهؤلاء الظلَمة أن يسيطروا على عقول أبنائكم وبناتكم وأنتم لا تشعرون؟ فأجابه أخوه الأوسط: أنسيت يا أخي، كيف سيطر علينا الغريب وفعل بنا ما يشاء، ومزّقنا كلَّ ممزّق، واستولى على أملاكنا!

قال صاحب البيت: هي سنّة الله يا ضيوفي الكرام، فمن يغفل لا بدّ أن يكون من الخاسرين، ونحن غفلنا كثيراً، فثارت ثورة هؤلاء المغرّر بهم من أبنائنا ونحن لا ندري، ودخل الناس في حروب أهلية فرّقتنا أياديَ سبأ، فهجر المدينة أكثر أهلها من كثرة النهب وسفك الدماء، ولم نعد إلى مدينتنا إلا منذ سنوات قليلة، ونحن نحاول إعادة ما كنّا فيه من نعمة وغنى، ولكن هيهات أن يعود سريعاً، فلا بدّ أن نصبر عقوداً من الزمن، وأحمد الله أنّه أبقى لنا ملكنا العادل الذي جمعنا مرّة أخرى وأعادنا في ظلّه، وقد أخذنا من هذه النكبة العظيمة دروساً قاسيةً، وعظات كثيرة، فلن نسمح للأغراب الأشرار بعد الذي حصل لنا أن يقضوا على مكتسباتنا مرّةً أخرى.

فالتفت الأخ الأوسط لأخيه وشعر بالفأل الحسن من كلام صاحب البيت، وقال: ونحن لن نسمح للغريب مرّةً أخرى أن يفرّق بيننا، وسنهزم باطله بالحقّ، ونمكر به مكراً شديداً كما مكر بنا، ثم أنشد:

المكرُ ليس من الرجولةِ والهدى

                             والماكرونَ يصيبهمْ مكرُ العدا

يا صاحبَ المكرِ السقيمة نفسهُ

                         لا تفرحنّ لسوف يأتيكَ الردى

وللمقالة بقيّة..