قال الملك لوزيره: إنّ هذا الموقف موقفٌ عظيم وذكرى أليمة في قلب كلِّ إنسانٍ مظلومٍ ظُلم من أقرب الناس إليه وخيّبوا رجاءه، فاخبرني بما جرى بينهما بعد أن رأى الأخ الصغير أخاه وغضب من زيارته أشد الغضب؟ قال الوزير: يا مولاي إنّ ظلم الأقرباء لا يُمكن وصفه ولا نسيانه، لأنّه ظلمٌ مركّبٌ من الظلم والصدمة النفسية معاً، فقد وقع من أناسٍ لا يُمكن أن تتوقّع أن يأتيك من جهتهم، ولهذا فهو يترك أثراً عميقاً وجرحاً غائراً تبقى آثاره ولو تقادم به الزمن، وكلّما تذكره المرء شعر كمثل السكين تقّطع أحشاءه من شدته - أعاذ الله مولاي الملك منه- وهذا هو نفس الشعور الذي سيّطر على الأخ الصغير عندما رأى أخاه الذي ظلمه وأعان على الشر والفرقة.
لقد أدار الأخ الصغير ظهره لأخيه وأعرض عنه ثم بدأ بالمشي في اتجاه الشمال، حيث يقع بيته وأخوه يتبعه ويناديه، ولكنّه لا يلتفت إليه، حتى وصل إلى منزله وبقي الأخ الأوسط ينتظر في ظلّ شجرةٍ قريبةٍ من بيت أخيه دون أن يسمع منه كلمةً وهو لا يدري ماذا يصنع وتمنّى لو أنّ الأرض تُشقُّ وتبتلعه من شدّة هذا الموقف على نفسه، وهو في حالته هذه إذ جاءه ابن أخيه الذي ناهز الحلم فدعاه إلى مجلس والده وأخذ متاعه وأمر العامل أن يعتني بفرسه، وظلّ أيّاماً يقوم بواجبه على أحسن وجه، فقال له عمّه في إحدى الليالي: نِعْم من ربّاك يا بُنيّ فمن علّمك كلّ هذا؟ قال: يا عمّاه إنّ والدي بعد أن هجر مدينته لم يكن له من معينٍ غيري فاجتهد على تربيتي وحرص على تعليمي حتى بلغتُ ما ترى، قال عمّه: والله يا بُني إنّ العلم بالتعلّم وأنت نعم الابن البارّ وإنّي أريد منك أن تخبرني بطريقةٍ أصل فيها إلى قلب أخي الصغير، فكم أعترض طريقه كل يوم صباح مساء وأناديه ولا يردُّ عليّ بنظرةٍ ولا يجيب.
قال الولد: يا عمّاه إنّ أبي أمرني بخدمتك وأن لا أترك لك حاجةً إلا أقضيها لك، ولكن لتعذر أبي فقد أخذ الحزن منه مأخذاً عظيماً، وإنّي أنصحك أن تصلّي معه الفجر وتعتذر له بعد الصلاة عسى أن يقبل منك، فهو يكون كالريح المرسلة في هذا الوقت، قال عمّه: أصبتَ وأحسنتَ والله إنّي أعرفها فيه. فلمّا صلّى أخوه الفجر جاءه على حين غفلةٍ فعانقه وهو يقول: يا أخي اغفر زلتي إنّ الله غفور رحيم، فدفعه عنه وانصرف مسرعاً، فقال: يا أُخيّ هذه رسالة لا أعلم ما فيها من زوجتي فخذها ولا تكلّمني بعدها، فأخذها ابن أخيه وانطلق بها ووضعها في يد والده فتوقّف الأخ الصغير: ليقرأ الرسالة فإذا به من شدّة تأثّره يجثم على ركبتيه وهو يبكي بشدة ويستغفر الله، فاقترب منه أخوه فلمّا رآه قال له: يا أخي اغفر لي لقد أنساني الغضب حقّك عليّ وأياديك الفاضلة، لكنّها الحياة تفرّق بين الناس ثم أنشد ودموعه تنهمر على خديه:
وإنْ كانتِ الدنيا تفرّقُ بيننا
فحبّك في أصلِ الفؤادِ أصيلُ
فقام وعانق أخاه وتصافت القلوب بعد طول الشقاق، ثم أخبره أخوه بما فعل الغريب به وبأخيه الأكبر، وذكر له دخول عامله إلى السجن بسبب شروعه في قتل سيّده، وأنّ العامل بعد ذلك أرسل رسالةً يحذّر منه ولكنّ أخاك يقول: إنّ فكره الضعيف لا يصل إلى هذا المستوى فلم يصدّق ما قلتُ له، فقال الأخ الصغير: وما أرسل إليكما؟ قال: أرسل رسالة فيها 3 نُقط وقد فسّرتها وزوجتي ببيتٍ من الحكمة فيه: فإيّاك لا تسمع كلام ثلاثةٍ، فما كان من أخيه إلا أن أكمل البيت ثم قال: هذه أبياتٌ كنت كثيراً ما أرددها على سمع عاملي عندما يُشير عليّ بأمرٍ ولا ينجح، فأقول له يا مأفون الحجا والفكر وأنشده:
إذا كنتَ ممّن يسمع الرأيَ يا فتى
ولا تنتقي م العلمِ إلا محقَّقهْ
وتبحثُ عن قولِ الحكيمِ مُمحّصاً
وتتركُ آراءَ الجهولِ مُعلَّقهْ
فإيّاكَ لا تسمعْ كلامَ ثلاثةٍ
غريبٍ ومأفونِ الحجا ومُطلَّقهْ
فقال الأخ الأوسط: إذن حفظ عاملك هذا البيت منك! قال: نعم ويحفظ غيره، وما أظنّ عاملي إلا في مصيبةٍ كبرى ويريد أن يخبرنا بها ويخافُ من الغريب لأنّي أعرف عاملي جيّداً فدعنا نتجّهز للسفر ونعود إلى مدينتنا، وسوف أرسل رسالة إلى قاضي المدينة وسوف تصله قبل وصولنا. وهكذا اتفقا وغلبا مصلحة الجميع على الشقاق وبدآ في التفكير الصحيح. وللمقالة بقيّة.