قالت الزوجة الأديبة العاقلة لزوجها وهو يعدّ عدّته للسفر: لا تظننّ أن مهمّتك هذه سهلة بل احسب لها ألف حسابٍ فأنت مقبلٌ على مهمّةٍ صعبةٍ ورحلةٍ شاقّةٍ، ولا تنس ما فعلتَ أنت وأخوك المتكبّر الغافل بأخيكما الصغير حتى كرهكما وكره البلاد بأسرها وباع أرضه ووصيّة والده ورحل بعيداً لكي لا يرى من أهانه وأذلّه من أجل فرية غريبٍ لا تعلمان من كان وراءها ولم تتكلّفا السؤال والتحّري عنها بل عمدتما إلى ضربه وجرحه وكسر عظمه أمام عمّاله فأسقطتما هيبته بين الناس وحصل ما حصل، يا زوجي الحبيب وقرّة عيني: هذا ظرفٌ فيه رسالة، فإذا لم تجد سبيلا إلى قلب أخيك ولم يقبل عذرك فأعطها له ولا تطّلع عليها.

قال الزوج الذي يحبُّ الشورى ويستمع إلى النصيحة ولا يتكبّر عليها: هاتِ رسالتك ولولا ثقتي بعقلك لما أخذتها منك وأسألُ الله العظيم أن يكثر من أمثالك في نساء العالمين وأن يرزقني منك ذريّةً صالحةً فقد طال انتظاري لهم، فقالت:أكثر من الاستغفار والله خير الرازقين، ثم ودّعها وبدأ رحلته التي تحتاج إلى 10 أيّام بلياليهنّ حتى يصل إلى أخيه، ولم يخبر أخاه الأكبر عن وجهته وأمر أهله أن يكتموا سّره خشيةً من أن يمنعه كبْراً وجهلاً.

 

قال الملك لوزيره: لقد زدت شوقي لمعرفة ما في هذه الرسالة فكيف هو حال زوجها الذي عليه أن يصبر كل هذه الأيام ليطّلع عليها؟، ولعمري إنّها ذات عقلٍ وحكمةٍ وكم نحن في حاجةٍ إلى مثلها في هذه السنين التي اختلط حابلها بنابلها، وصارت النساء لا يبالين بالحكمة والموعظة ويتسرعن في حكمهنّ ولا تجد منهنّ من يعين زوجه على الخير إلا قليلا!، قال الوزير: يا مولاي إنّ النساء كالرجال في الفضل وعدمه، وتعليم المرأة يقع أولاً على أمّها ثمّ على خبرة وذكاء زوجها بعد ذلك، ومن حُرم الزوجة الصالحة العاقلة فقد حُرم السعادة.

 

ثم تابع الوزير قصته وقال: مضى الأخ الأوسط حتى وصل مدينةً بين مدينته ومدينة أخيه فبحث عن بيت قريبٍ له صالحٍ يسكن فيها فوجده قد فارق الدنيا منذ سنوات وله ذريّة صالحةٌ مثله، وقد تكفّل بهم زوج أمّهم بعده وكان من أهل الله الصالحين فأنشأهم أحسن تنشئة، ولمّا رأى الأخ الأوسط هذا الصالح: ابتسم ضاحكاً واكتفى بها وبالتحية، ثم آثر أن يبيت في ضيافتهم ليلةً فجلس صاحب البيت معه وسامره وأخذا في الحديث فذكر ما حصل له ولأخيه من أمر الغريب ثم قال له الصالح يسأله:

وقعت ابتسامتك لي أوّل ما رأيتني في قلبي موقعاً غريباً فهل يمكنني أن أعرف سرّها؟ قال الأخ الأوسط مبتسماً: لقد رأيت منذ مدةٍ رؤيا؛ كأنّي في أرضٍ كالجنّة لا أعرف مكانها وكان فيها رجل يزرعها وهو جادٌّ مخلصٌ في زراعتها ولم تثمر بعد، وقيل لي فيها: إذا رأيت هذا الرجل الصالح فاسأله أن يدعو لك بالذريّة الصالحة.

 

قال صاحب البيت: خيراً رأيت وشرّا كُفيت، فقال الأخ الأوسط: هل تعرف من هو هذا الذي رأيته؟ قال: وما علمي به!، قال الأخ الأوسط: هذا أنت وأنت الذي تزرع هذه الدنيا بصلاحك وتأخذ من الله أجر تربية أبناء قريبي الراحل والحمدلله أنّي وجدتك وهذا سرّ ابتسامتي فادع لي والله يجزي المحسنين فدعا له، ثم رحل ميمّماً شطر مدينة أخيه حتى وصلها في أول الضحى وسأل عن أرض أخيه فدُلّ عليها فإذا هي أرضٌ غنّاء واسعة فيها من كل الثمرات، ووجد أخاه يعمل كما كان يعمل في أرضه الأولى بجدٍّ وإخلاصٍ، فنادى بأعلى صوته:

أيا أخي الصغير يا حِبَّ والدنا وقرّة عين أمّنا أنا أخوك فاقبل اعتذاري واغفر زلّتي، فرفع أخوه الصغير رأسه من أرضه ليرى من يناديه فلمّا تبيّن له من يناديه: اكفهرّ وجهه وتكدّر وملكه الغضب وتذكّر كلّ ما مرّ عليه من آلامٍ وأحزانٍ بسبب جهالة إخوته. وللمقالة بقيّة.