قال الملك لوزيره الحكيم: لقد ألبس هذا الغريبُ الماكر الأخوة الأشقّاء لباس الشقاق والبغض واستولى على أملاكهم بمكره وشره ولكنّ الله يمهل ولا يهمل وما أظنّه إلا سيُسقى من نفس الكأس التي سقى منها هؤلاء، ألست تذكر قصة أحد وُلاتي الذي وثقت به وقدّمته على من هو أفضل منه ولم أبخل عليه وأغدقت عليه من نعمتي وقرّبته منّي بل أصبح أقرب من باقي ولاتي فإذ به يسيء في مملكتي ويمكر بهم.
يفرّق جماعتهم ويزرع العداوة بينهم لكي يبقى هو المقدّم عندي المستأثر بالرضا وهذا من أغرب الأمور وأعجبها فإنّه كان بمقدوره بإخلاصه وصدقه لي أن يصل إلى مبتغاه لكنّ نفسه الشريرة لا تتركه وما زال يكيد حتى وقع في شرّ أعماله، فبعث يوماً رسالةً إلى أحد قادتي من حيث لا يعرف هُويّة المرسل، فأبلغه أنّ أحد ولاة الملك يسرق من بيت المال فنقل الخبر بأسرع من غمضة عينٍ إليك يا وزيري وأخبرتني بالأمر ولولا علمي بأمانة هذا الوالي لصدّقت ما قيل عنه، ووالله إنّ العجلة لا تأتي إلا بالشر وإنّ المكر ولو كان محكماً لا بدّ أن يحيق بصاحبه.
ويا وزيري: لقد تابعت أمر هذا الوالي الأمين والذي كدتُ أتهمّه لولا خوف الله ثم وصيّة والدي الملك رحمه الله الذي حرص على أن يعلّمني كل خير وكان يكثر من قوله: يا ولدي إنّ المُلْك موردٌ عذبٌ يتزاحم عليه الناس ويتنافسون، فإيّاك أن تحكم على خاصتك وعمّالك وعامة الناس حتى تقيم الحجّة وتعرف الأسباب وتتحرّى الحق وينشدني:
أمرُ الملوكِ كمثلِ السيفِ منصــلتاً
يمضي فيفصلُ بين الروحِ والجسدِ
فاسمعْ على مهَلٍ ثم استشرْ وأعـدْ
واحكمْ بما فيهِ خيرُ الناسِ والبـلَدِ
ولهذا بعد أن تأكّد لي بأنّه بريء من هذه التُهَمة وعلمتُ أنّه كان يأخذ من بيت المال ويوزّعه على المساكين من أهل مملكتي الذين لا يسألون الناس إلحافاً، ويستحون من وضع أسمائهم في سجلّ الذين يأخذون الصدقات الخاصة، ولم يكن أحد يعرف بهذا الأمر غيره، وبعد تيقّني من برائته شرعت أبحث عن المسبّب لهذه الاتهامات التي زادت حول ولاتي وإنّ كثرتها ليؤدي إلى ضعف الحكم وسقوطه إن لم أتداركه في الوقت الصحيح، وبعد التحرّي وجدت أنّ هذه المصائب تعود كلها إلى هذا الوالي الماكر الذي أعطيته فوق ما يستحقُّ ولم أكن أعلم أنّه خبيث الطويّة سيء النيّة، وقد وقع في يدي فأودعته السجن يقضي فيها مدةً من حياته حتى يشعر بالشر العظيم والشرخ الكبير الذي أحدثه في ملكي وقد صدعته بعد ذلك بفضل الله ثم بالعزم والصدق والاعتماد على الثقات من أمثالك، وبعدُ يا وزيري أكمل قصتك وأخبرني ماذا صنع الأخ الأوسط مع أخيه عندما جاءه قُبيْل الفجر؟
قال الوزير: قرع الأخ الأوسط باب أخيه الأكبر بقوّة فخرج إليه مسرعاً وبدى على وجه الذعر لأنّه لم يحصل أن أتى إليه أخوه في مثل هذه الساعة فقال: ما بالك وماذا جرى لك وليس من عادتك أن تقدم إليّ والصبح لم يتنفّس بعد؟! قال الأخ الأوسط: لقد وجدتُ حل لغز عامل الغريب؟ قال: فما هو أعلمني؟
قال: إنّه يحذّرنا من الغريب وأنّه كذب علينا في غشّ أخينا الصغير لنا. قال الأخ الأكبر -والكِبْر لا زال يسيّطر عليه-: وكيف وصل عقل هذا العامل الأحمق إلى مثل هذا المستوى من الذكاء المفرط؟! هذه أوهام فلا تأبه لها، وإن صدقت فإنّما يريد العامل أن ينتقم من سيّده الغريب الذي أدخله السجن، فاذهب يا أخي واسترح ودع عنك هذه الترّهات.
رجع الأخ الأوسط وهو يحدّث نفسه في طريقه إلى بيته ويقول: لعلّ ما قاله أخي هو الحقّ، فكيف نصدّق عاملاً مسجوناً وقد قُضي الأمر الآن وصرنا في رحمة هذا الغريب؟، فلمّا دخل البيت وجد زوجته العاقلة الأديبة تترقّب وصوله فقالت: ما بالك أتيتني بوجهٍ غير الوجه الذي خرجت به، وماذا يريد أخوك أن يفعل بعد أن عرفتما سرّ رسالة عامل الغريب؟ فأخبرها زوجها بما قال له أخوه، فقالت: بئس فكر المتكبّر الغافل، إن كنت تثق في رأيي فارحل إلى أخيك الصغير وأرضه بعد ما فعلتما فيه ما فعلتما، وصله واستعن برأيه فإنّ هذا العامل عمل عنده لسنوات وهو يعرفه حقّ المعرفة، قال لها: أفعل إن شاء الله وأعدّ عُدّة السفر.
وللمقالة بقيّة.