قضت سنّة الله في خلقه أنّه لا بدّ للمخادع الخَبِّ أن يأتي من يخدعه وكذلك الماكر الذي يؤذي الناس بمكره وشرّه سوف يُمكر به ويُصنع به مثلما صنع، وكم روى الناس من قصص هؤلاء كقصة الغريب مع الإخوة الثلاثة الذين ابتلوا به وبدسائسه، ففرّق شملهم وأصبحوا أشتاتاً بعد أن كانوا يداً واحدةً تزرع الأرض وتسعى فيها صلاحاً، قال الوزير للملك: انظر - متّعنا الله ببقائك - إلى هذا الغريب الماكر الذي في فترة قليلةٍ استطاع أن يمزّق شمل أسرةٍ متماسكةٍ ويستولي على أهم قسمٍ من أرضهم، فأصبح ملّاك الأرض تحت سيطرته وبين يدي رحمته لا يملكون من أمرهم إلا طاعته والاستسلام له، وقد زاد غيظهم عليه وعلى أخيهم الصغير الذين يظنون أنّه باعهم له، فتارةً يلومونه أشد اللوم وتارةً يلومون أنفسهم على تفريطهم به.
قال الملك: لقد وقعوا في حيصٍ بيصٍ وفخٍّ محكمٍ؛ فأخوهم رحل عنهم والعامل الشاهد الوحيد على الحقيقة أدخله الغريب السجن، هذا والله هو المكر العظيم!، فأخبرني يا وزيري ماذا صنع العامل الخائن الذي باع سيّده ووليّ نعمته بعد أن أُلقي عليه القبض وهو يحاول الفتك بالغريب؟ قال الوزير: أُدخل العامل السجن فلمّا رأى بعينيه جزاء خيانته ونكرانه لمعروف سيّده الذي كان يكرمه ولا يشقّ عليه ويغدق عليه من الهدايا ويجزل له في العطايا فردّ إحسانه بخيانته من أجل غريبٍ لا عهد له ولا ذمّة، حينئذٍ بكى ولسان حاله ينشد:
أيا نفسُ هذا جزاءُ الردي
وحقّ الخؤونِ بأنْ يُسجنا
لقد بعتِ ندباً سما سيّداً
بذلٍّ فيا ضيعتي والعنا
وهو في هذه الحالةِ من البكاء الشديد؛ وقف عند رأسه أحد الحرّاس وقال له: ما يبكيك ولمّا يحكم القاضي عليك بعد؟
قال: دعني أبكي على نفسي وما صنعت يميني، فذهب الحارس عنه برهةً ثم عاد إليه ببعض الزاد فقد رقّ له قلبه من كثرة بكائه ودعائه على نفسه فقال:كُل واعلم بإنّ الله يفرّج على المظلومين كربتهم إن كنت مظلوما، فكان كلام الحارس عليه أشدّ من سجنه فصرخ قائلا: أنا الظالم أنا الخائن ولكن من يُصدّقني في الغريب؟
قال الحارس:هدّأ من روعك واطمئن ولقد رق لك قلبي ولا أعلم السبب ولكنّي أشعر بأنّ وراءك قصة، قال العامل: أيها الحارس إنّي لا أعلم هل سأخرج من سجني هذا أو أبقى فيه حتى آخر حياتي؟ وإنّي أريدك أن تساعدني فتوصل هذه الرسالة إلى صاحب الأرض المجاورة لأرض سيّدي الغريب.
قال:قانون السجن لا يسمح بذلك ولكنّي سأساعدك بسبب تعاطفي معك وحسن ظنّي فيك، فأعطاه الرسالة وأخذها وأوصلها إلى الأخ الأكبر وكان معه أخوه الأوسط فلما فتحها بُهت ولم يفهم منها شيئا لقد كانت مجرد 3 نقاط ، وهذا من تدبير العامل لكي يُخفي سرّه عن الحارس لأنّه لا يثق بأحد، فقال الأخ الأوسط لأخيه وكان ذكيّاً محبّا للعلم: هذا رمزٌ أخفاه العامل عن الحارس فدعني أفكّر في حلّه هذه الليلة، فانصرف إلى بيته وجلس يحاول فكّ هذا اللغز الغامض.
قال الوزير : بدا على وجه الأخ الأوسط السأم وهو يدفع عن عينيه النعاس فهو لم يجد جواباً وقد ذهب جلُّ الليل، فقالت له زوجته وكانت ذات عقلٍ وأدبٍ: ما يشغل تفكيرك فأنت لم تغمض عينيك حتى هذه الساعة المتأخرة قال: لقد تعبت وأنا أفكّر في لغز 3 نقاط لا معنى لها، قالت وهي تبتسم لعلّ من أرسلها يقصد:
ثلاثةٌ فيهنَّ خيرٌ واسعُ
البحرُ والملوكُ والمزارعُ
قال لها: لا هذا بعيد فصاحبها في السجن وأشعر أنّه يريد أن يخبرنا بسرٍّ ما، فقالت: إذن لعلّه يعني :
فإيّاك لا تسمعْ كلامَ ثلاثةٍ
غريبٍ ومأفون الحجا ومطلّقهْ
قال: هو هذا يا زوجتي العزيزة لقد أصبتِ، فهرع إلى بيت أخيه مسرعا وقد اقترب وقت الفجر ليخبره بما فهم من الرسالة. وللمقالة بقيّة.