قال الملك: يا وزيري المخلص انظر ماذا فعلتِ المشاعر والعاطفة بالإخوة أصحاب الأرض المتآلفين المتعاونين، حتى تفرّقوا وذهبت ريحهم حين لم يعتمدوا على الحكمة والرأي الصحيح، وقد علمتُ الآن ماذا تعني من هذه القصّة، لكنّي أريدك أن تكملها حتى النهاية! قال الوزير: سمعاً وطاعةً، يا مولاي هكذا هي سنّة الحياة في كلّ من لم يعتمد الحذر خليلاً له ولم يتقلّد سيف الحزم في أفعاله، فعاش سبهللا لا يدري أين يتوجّه ولا كيف يتصرّف.
لقد نجح الغريب بمكره في أن يستولي على أهم أقسام أرض الثلاثة، لأنّه عرف نقاط ضعف الأخ الأكبر فاستغلّها أفضل استغلال حتى نشب بين الإخوة ما نشب، فوقع الخلاف والشقاق بينهم وسقط الأخ الصغير في حفرته التي حفرها له، واشترى منه قسمه وهو أهمّ قسمٍ في أرضهم، فأُسقِط في يد الأخوين اللذيْنِ أَذِنا (استمعا) إلى عدوّهما فصدّقاه في أخيهما المخلص سفهاً وجهلاً، وها هو ذا قد رحل عنهما بعيداً وتركهما تحت ذلّ الغريب الماكر.
قال الوزير: بدأ الماكر بوضع القيود والشروط على الأخوين، بل نغّص عيشهما فجعل للسقي تكاليف لم تكن موجودة في وقت أخيهما، وقال لهما: إنّ الله وهبني هذا القسم وقد اشتريته من أخيكما المسكين، وقد انتهى ما كان من عهدكم السابق وأنا اليوم أضع ما أريد من الشروط، فمن شاء أخذها ومن شاء باع أرضه لي وسأعطيه أفضل من سعرها.
قال الأخ الأكبر: أنت من أخبرنا بغش أخينا لنا في السقي - ولم يكن يعرف بعد أنّ أخاه مظلوم - بل أنت السبب في غضبنا حتى فعلنا بأخينا الصغير ما فعلنا، وليتنا تركناه يغشّنا ولم يرحل عنّا ويبدّل وصيّة والدنا الذي أقسمنا أمامه بأشد الأيمان أن نحافظ على أرضنا، فواحسرتاه على أخي وأرض أبي، ثم أنشد:
كيف أحيا ولي فؤادٌ عليلٌ
وهمومي منَ الزمانِ ثقيلهْ
قلْ لمنْ غرّهُ الغريبُ بودٍّ
عنْ قريبٍ لسوفَ تشفي غليلهْ
قال الغريب: لم أنصحكما إلا بالخير والتحرّي عن أمر أخيكما وأنتما من أساء إليه، وقد أجزلت له في ثمن أرضه ولا تكثرا عندي الكلام وافعلا ما آمركما به لكي نبقى جيرانا ولا تدفعاني لأفعل ما يسوؤكما. قال الأخ الأوسط: أيّها الغريب يدك أنت الطولى، وسوف نفعل ما تطلب ونؤدّي لك ما تشترط، ثم أخذ بيد أخيه الأكبر الذي كانت تتقطع نفسه حسرةً وندماً، وانصرفا وهما في أسوأ حالة.
قال الملك: كانوا يقولون "ربّ عجلةٍ أورثت ريثاً" وإنّي أقول: "ربّ عجلةٍ أضاعت مُلْكاً"، لقد كان ينبغي لهما التريّث حتى يستمعا لأخيهما ولا يسمعا كلام الغريب، فأكملْ قصتك قد جعلتني أشتاق لسماع آخرها. قال الوزير: إنّ ثمن الاستعجال باهظٌ جدّا وقد يؤدّي إلى ضياع الملك كما حصل لهؤلاء، وكذلك لا ينبغي أن ننسى أنّ الماكر الذي يبدأ المكر ويحيك المكائد للناس لأجل نفعه ويضرّ الآخرين، لا بدّ أن يسقط في شرّ أعماله وهو لا يدري ويبتليه الله بمن هو أمكر منه وأذكى، ثم أنشد:
يا منْ يحبُّ بأنْ يحيا على الفتَنِ
أبشرْ سيأتيك من يبليكَ بالمِحَنِ
لقد بدأ الغريب يتوجّس خيفةً من عامل السقي الذي خان سيّده واشترك معه في خديعة الإخوة، ولم يزل يفكّر كيف يتخلّص منه ولا يتمكّن من إخبار الإخوة بما فعل إن طرده من عمله، فقام يكثر من أوامره له ليلَ نهار حتى ضجر العامل وبدأت البغضاء تظهر من وجهه للغريب، والغريب يراقبه فقد وضع عيناً عليه، وذات ليلةٍ جاءه جاسوسه وأخبره بأنّ العامل يريد أن يفتك به، فأخذ حِذره وانتظره حتى قبض عليه وهو يهمُّ بجرمه، فأرسله إلى سجن تلك البلاد مقيّداً وأشهد عليه الناس ليحكم عليه القاضي.. وللمقالة بقية.