تابع الوزير قصة صاحب الأرض وأبنائه الثلاثة، وقد بدا الملك مشغولاً بروايته ومنصتاً إليه فقال: أخبرني يا وزيري ماذا حصل بعد موت والدهم؟ قال الوزير:
بعد أن انتقل والدهم العصاميُّ إلى الرفيق الأعلى، قرر أبناؤه إبقاء الحال كما كان في عهده، وحلفوا بأغلظ الأيمان أن لا يغيّروا وصيّة أبيهم لكي لا تضيع الأرض إذا اختلفوا فيما بينهم فيطمع فيهم الطامعون، خاصةً وأنّ أرضهم من أفضل الأراضي في تلك البلاد، واتفقوا أيضاً على التعاون الكامل وعلى الصدق والأمانة، فمضت الأيام تجري مسرعةً، وهم كذلك في حال طيّبٍ حتى جاء رجلٌ غريبٌ من مملكةٍ أخرى بعيدةٍ وهو ثريٌّ سريٌّ، فاشترى أرضاً في جوار أرضهم فلما رأى أرض جيرانه طمع فيها، لأنّ مثلها نادر وتُعدّ من جنان الأرض فبدأ في المكر والتدبير.
قال الملك: إنّ الشرّ ليسقط على كلّ غافل، قال الوزير: هو كذلك، فقد بدأ الغريب الماكر في كيده فتقرّب إلى أكبر الإخوان لأنّه وجد فيه غفلةً وكِبْراً وأُذُناً صاغيةً، وأنشد في نفسه:
المكرُ لا ينفعُ في عاقلٍ
كابنِ الغرابِ عاشَ في حِذْرهِ
إن كنت تبغي النُجْحَ كنْ ماكراً
في رَجُلٍ يفهقُ منْ كِبرهِ
جلس الغريب في ليلةٍ من ليالي الشتاء البارد مع الأخ الأكبر وسامره وحيداً ولم يكن معه أحد من إخوته، فاقتنص الفرصة وقال له: ألا ترى أخاك الصغير قد استأثر بأفضل أقسام أرضكم فأخذ الأرض التي فيها منبع المياه؟ فقال الأخ الأكبر: نحن أعطيناه هذا القسم لأنّه يعرف حساب السقي، واستأثرت أنا وأخي الأوسط بأفضل أقسام أرض والدي شجراً وثمراً! قال الغريب: لكنّي أظنّه يغشكما في السقي ولا يعدل، ويسقي زرعه أكثر منكما وسوف يصبح زرعه بعد سنوات أفضل بكثير من زرعكما، وقد نصحتك لأنّك أهل للنصيحة ولا أستطيع أن أخفي عنك شيئاً. فاستشاط الأخ الأكبر غضباً، فلمّا أصبح طلب من أخيه الأوسط أن يتأكد من كلام الغريب ففعل ووجده كما قال، وقد كان من دهاء الغريب أنّه استمال إليه عامل أخيهم الصغير بالهدايا والمال وهو الذي يشرف على السقي، فأنقص الحساب من غير معرفة سيّده.
قال الملك: وكيف تمكّن الغريب من كيده؟ فأجابه وزيره: لقد أخذ الغضب من الأخوين مأخذه، فذهبا إلى أخيهما الصغير وضرباه ضرباً مبرّحاً كاد يفارق الحياة من شدته، ثم انصرفا عنه وهو في حالةٍ يرقّ لها قلب العدو، وكان يقول لهما ويصرخ ويستغيث وهما يضربانه: والله لم أفعل، ولكنّهما لا يستمعان إليه فقد أعمى المكر بصيرتهما، ولمّا انصرفا عنه أتبعهما بنظره وهو مُلقى على الأرض لا يقدر على الحراك وأنشد:
ومنْ قال إنّ المرءَ لا يتغيّرُ
وإنّ صفاءَ الودِّ لا يتكدّرُ
وإنّ الذي بين المحبينَ خالدٌ
ستغدو عليهِ النائباتُ وتُبكرُ
جلس الغريب يراقب من بعيد ما جرى للأخ الصغير، فجاءه مسرعاً صارخاً يدعو بالثبور والهلاك على من فعل به هذا الفعل، فأخذه وجبر قلبه قبل حبر كسره وتلطّف به حتى عوفي مما به، وكان يوحي إليه أن يترك هذه الأرض التي يشترك فيها مع أخويه الظالمين، وليبعها ويشترِ أرضاً بعيدةً عنهما وعن شرّهما، وهما لا يعلمان. فوافق هذا الرأي هوى الأخ الصغير المظلوم .
وقال: أيها الغريب إنّه لم يقف معي غيرك في محنتي، فهل تجد لي من يشتري قسمي من هذه الأرض؟ فهشّ الغريب وفرح بهذه الدعوة وقال: أنا جارك وإذا عزمتَ على البيع فسوف أعطيك مبلغا أكثر من حقها، لأقف معك وتعلمَ صدقي معك ولتشتري أرضا أكبر من أرضك وأفضل.. وهكذا تمّ البيع ولم يفق الأخوانِ إلا متأخراً، لأنّهما هجرا أخاهما وتركاه لينفرد به الغريب ويستولي على أرضه المهمة لهما فينبوع المياه فيها، ولما عرفا الخديعة ندما أشد الندم ولات حين مندم!
قال الملك: والله إنّها لفاجعة عظيمة ومصيبة كبرى على الأخوين، فأكمل أيها الوزير وماذا فعل الغريب؟ قال الوزير: بعد أن ملك شريان حياة الأرض وأصبح هو الأقوى في هذه الأرض المثمرة الكبيرة طلب من الأخوين أن يلتقيا معه، فقدما إليه وهما يجرّان أذيال الخيبة والألم وقد عَلِما أنّهما هما الأضعف وهو القويّ، ولا بدّ أن يتبعاه لكي يسلما على أرضهما بعد أن فرّطا جهلاً وسفهاً في أخيهما المخلص وأرضه.. وللمقالة بقية.