قال صديقي وهو يتابع رواية قصّته الخيالية: بسبب قوّة حجة كلّ من التاريخين الهجريّ والميلاديّ؛ وقع الملك الحكيم في حيرةٍ من أمره، لأنّ مملكته في حاجةٍ للانتقال إلى الميلاديّ بسبب عالميته، ولا مفرّ من ذلك والظروف الاقتصادية الدولية تتحكم في تجارة بلده، وكذلك كيف له أن يفرّط في تاريخه وتاريخ أجداده؟ فأطرقَ الملك يفكّر قليلا ثم قال: أيّها التاريخان لقد أحسنتما في سياق أدلتكما، ولكنّ الأمر عظيم ويلزمني التريّث وعدم السرعة في إصدار أمري، ولهذا قرّرت أن أُؤجل الحكم في موضوعكما حتّى أشاور أهل الشورى والعلم من خاصّتي وعلماء دولتي، ثم أنشد:
ومنْ لمْ يستشرْ أهلَ المعالي
ومدّ الملكَ بالصِّيدِ الرجالِ
أضاعَ بلادهُ سفَهاً وجهلاً
وبات وملكهُ في شرّ حالِ
ثم قام الملك من مجلسه فقام كلّ من حوله، وأذن للتاريخين وللحاضرين بالانصراف إلا وزير دولته المخلص.
قال الملك لوزيره: يا وزيري لقد استمعت إلى قولهما وأنا لا أخفي عنك سرّاً، لقد كنت أشعر بالحزن الشديد على تاريخنا العريق "الهجري"، فقد وضعناه في موقف المفاضلة بينه وبين تاريخٍ وثنيٍّ رومانيٍّ لم يستقلّ عن الوثنية حتى القرن السادس الميلادي، عندما عاد به الراهب الأرمني إلى ولادة المسيح حينئذ، وقد علمت أنّ أسماء أشهره عبارة عن أسماء آلهةٍ كان يعبدها الرومان قبل دخولهم في المسيحيّة، فلمن أحكم؟ وكيف أصنع والعالم من حولي يتحوّل إلى التاريخ الميلادي؟
قال الوزير: إنّ مملكتك من أقوى الممالك على وجه البسيطة، والعالم كلّه يحاول التقرّب إليك وإلى بلادك، وجيوشك المظفّرة تغزو شرقاً وغرباً، ويمكنك أن تُبقي على تاريخنا الهجري الذي اخترعه أجدادنا وفيه شعائرنا وبه سجّلنا تاريخ أمجادنا القديمة، وانظر - حماك الله - إلى أهل الصين وغيرهم من الأمم، الذين لا يزالون يحتفظون بتاريخهم ولم يتركوه، لأنّه تاريخهم موجود ومحفوظ منذ آلاف السنين.
قال الملك: إنّ الحياة تتغيّر وأكثر ما أخشاه أن يكون الميلاديّ أفضل من الهجريّ بسبب استقرار عدد أيامه، ولا يحتاج إلى تحرّي الهلال كما نفعل كلّ شهر، فيقع المسلمون في اختلاف عظيم كما تعلم! قال الوزير: أيها الملك العادل إنّي قد أفهم من كلامك أنّ قلبك يميل إلى الهجريّ وعقلك يريد الميلادي، وهذا أمرٌ معضل مشكل ويحتاج إلى تفكيرٍ عميقٍ منك، ويجب كذلك أن تبتعد عن عاطفتك ومشاعرك التي قد تؤدي إلى كوارث في الحكم، بل عليك أن تعتمد على فكرك القيّم وعلمك المُجرّب، وتنظر إلى مستقبل مملكتك وما يفيد شعبك، واسأل أهل الرأي ممن تثق فيهم، ألست تذكر يا مولاي قصة صاحب الأرض الذي أوصى أولاده بعد أن قسمها بينهم؟
قال الملك: وما قصتهم؟ قال الوزير: يحكى أنّ رجلا ورث أرضاً واسعةً من أبيه، فأحسن زراعتها وتعهدها طيلة وقته، وكلّما سمع بجارٍ يريد بيع أرضه اشتراها منه، وهكذا حتى صارت أرضاً واسعةً جداً مترامية الأطراف، وفيها ينبوع ماء يجري وتثمر له كل سنة بأفضل الثمار، فلمّا كبر وأحسّ بالتعب والمرض، جمع أولاده الثلاثة وقال لهم: إنّي قضيت عُمُري في هذه الأرض ولا أريدكم أن تهملوها أو تبيعوها، وقد رأيت أن أقسمها بينكم فليختر منكم كلّ واحد قسماً منها وننظر ما تصنعون.. قال الملك: وماذا حصل أيها الوزير؟ قال الوزير: لقد اختار الأكبر أفضل قسم منها بحكم قوته وتقدمه في السنّ، ولأنّه يعمل مع والده ويعرف قيمتها، وقام الأوسط فاختار القسم الذي دون الأول، وأعطوا أخاهم الصغير القسم الذي يوجد فيه بئر الماء، واتفقوا فيما بينهم على كميات السقي، ثم ما لبث أن مات والدهم.. وللمقالة بقيّة.