عندما سمع الملك العادل بداية حديث التاريخين الهجري والميلادي، وشعر بالحزن الشديد في لهجة الهجريِّ الذي لا يرى الحقَّ إلا له، فأراد أن يضع بعض الضوابط لإنجاح المناظرة، فقال لهما: أريد أن أستمع إلى أدلة علمية وحجج عقلية، لأعلم أيّكما أجدر بأن نختاره ونتخذه تاريخاً لنا، وإيّاكما والحديث بالعاطفة، لأنّ المناظرة الصحيحة التي تفيدني وتفيد مملكتي والعلم، هي تلك التي لا تتحكم فيها المشاعر والأساطير، ولا توجّها الأدلة الضعيفة والأوهام، ولا أريد منكما أن تخدعاني بالتمويه والتزوير، فلمّا سمع التاريخان الهجري والميلادي أمر الملك، عَلِما أن لا مناص من التقيّد بالأقوال السديدة والأدلة القويّة.
قال الميلادي: يا جلالة الملك، إنّ تاريخي يبدأ بمولد المسيح عليه الصلاة والسلام، الذي جاء فارقاً بين الحق والباطل، ومصدقاً للتوراة، ومخففاً على الناس في الذي تشددوا فيه، وممهداً لدين نبيّكم محمد صلى الله عليه وسلم، ومبشّراً به، فيحقُّ لي الفخر على كل التواريخ الأخرى، وهو أيضاً فخر لكم أيها المسلمون.
فقال الهجري، وقد ظهرت عليه علامات الغضب: يا مولاي، أرجو أن تأذن لي أن أسأل الميلادي بعض الأسئلة، ليعلم الناس حقيقة ما يقول، قال الملك: أذنتُ لك، فقال الهجريُّ: أخبرني أيها الميلادي: متى بدأ التاريخ بك ولا تكذب؟ ومن اخترعك؟
قال الميلادي: وما دعاك لتسألني هذه الأسئلة المحرجة، ومن الواجب علينا ألا نطلع العامة عليها، لكي لا ندخل في نقاشات عقيمة، ولكنّي سأجيبك، لكي لا تقول نكص الميلادي على عقبيه ولم يجب عن أسئلتي.
لقد بدأ تاريخي هذا بتأسيس روما سنة 753 قبل ميلاد المسيح، وكانت سنتي 10 أشهر، ثم في عهد «يوليوس» قيصر الروم، وبعد احتلال مصر، طلب من الفلكي المصري «سوسيجنيو» أن يقوم بتعديل التاريخ الروماني، وتم اعتماده في تاريخ 45 ق.م، وسمّي بالتاريخ اليولياني، نسبة إلى القيصر.
وقد سمى الشهر السابع باسمه «يوليو»، وجعله 31 يوماً، وفي منتصف القرن السادس الميلادي، أي بعد مولد المسيح بـ 6 قرون في سنة 532 م، دعا الراهب ديونيسيوس أن يبدأ تاريخي بمولد المسيح، ونجح في ذلك نجاحاً مبهراً، واعتمد من ذلك اليوم، ثم مضت الأيّام حتى جاء البابا غريغوريوس الثالث عشر، واستغل منصبه الديني، فحذف من كل 400 سنة ثلاثة أيام، ليضبط يوم الاعتدال الربيعي، وهكذا نام الناس يوم الخميس 4 أكتوبر، ليستيقظوا يوم الجمعة 15 أكتوبر من عام 1582م، ما أثار غضب الكنائس، خاصة الأرثذوكسية، فقبل به بعض المسيحين ورفضه آخرون، حتى جاء القرن العشرون، واعتُمد التاريخ الغريغوري اعتماداً كاملاً، ما عدا الكنائس الأرثذوكسية التي بقيت على اليولياني.
قال الهجري: إذن لست تاريخاً مسيحياً كما زعمت، بل أنت من عهد روما الكافرة، وقد مررت بتعديلات كثيرة، ولا تزال بعض الكنائس لا تعتمد تعديلك الأخير، فبماذا تتيه علينا وبماذا تفخر؟ وأنت معظم أشهرك بأسماء آلهة الرومان الكفار، من مثل يناير إله البدايات، ومارس إله الحرب، ومايو والدة الإله عطارد، وكذلك تحمل أسماء القياصرة الرومان من قبل المسيح، مثل يوليو ليوليوس وأغسطس ابنه، فكيف تنسب نفسك للمسيح وأنت لست منه، وتقول أيضاً إنّك من ميلاد المسيح، وقد أثبت المؤرخون أنّ المسيح وُلد قبل تاريخك!.
قال الملك: أرى أنّ ما يقوله الهجري حقيقة، وقد ذكرتها أيها الميلادي بنفسك، فأخبرني أيها الهجري ما حجتك أنت لتبقى بيننا وتستمر في تاريخنا، قال الهجريُّ: يا مولاى، إنَّ العرب قبل الإسلام لم يكن لهم تاريخ، وإنما يعرفون الأشهر التي ورثوها عن أجدادهم، وهي 12 شهراً قمرياً، وكانوا يؤرخون بالأحداث، فيقولون عام الفيل، وعام كذا وكذا، ثم لما بعث الله رسوله الأمين وهاجر إلى المدينة، قام المسلمون بتسمية كل سنة اسماً جديداً، فيقولون عام الإذن ثم الأمر وهكذا، حتى عهد الخليفة عمر رضي الله عنه.
حيث زادت الحاجة إلى معرفة السنين وعدّها، فأجمع الصحابة على جعل سنة هجرة الرسول مبدأ تاريخي، هذا لأنّه بالهجرة فرق الله بين الحق والباطل، واتفقوا على جعل شهر محرم بداية التاريخ، لأنّه منصرف الناس من الحج، وليكن في علم الناس أنّ تاريخي رباني من الله، بدليل قول الله عز وجلّ: «لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ» فقوله أول يوم، دليل على ما أقول، وأمر رسول الله بالاقتداء بهدي الخلفاء من بعده والعضّ على سنتهم.
دليل آخر على أنّي أتمتع بحماية من الإسلام، وكذلك أيها الملك العادل، إنّ كل شعائرك الدينية مرتبطة بالهجري، كما يرتبط النصارى بتاريخهم الميلادي، وكذلك كل تاريخ الإسلام وأحداثه مسجلّة بتاريخي، فكيف تصنع بها، أتتركوني وأنا عزّكم ومجدكم وتاريخكم، إلى تاريخ الرومان والنصارى؟!
قال الملك: حججك أيّها التاريخ الهجري قويّة، ولكن ماذا أصنع بحاجة مملكتي إلى مسايرة الأمم الأخرى التي لا تعرفك ولا تدري بأشهرك، ونحن مملكة تتعامل مع جميع الدول، ونقع في كثير من الحرج معها بسبب عدم معرفتنا بالتاريخ الميلادي، وهناك اختلاف الأيام والشهور في تاريخك، ولهذا سأخبركما بحكمي في المقالة القادمة، إن شاء الله.