سألني صديقي «المتزمّت»، أي الوقور لغةً، وهو في شدّة غضبه ممّا يرى من ابتعاد الأمّة الإسلامية عن تاريخها الهجريِّ العريق: لماذا لا يلتزم المسلمون في كلّ أقطار العالم الإسلاميِّ بالسنة الهجريِّة، ويتركون التاريخ الميلادىَّ، الذي هو شعار الملّة المسيحية، ولا علاقة له بالإسلام ولا بأهله؟ قلتُ له: يا صديقي، هوّن عليك، ولا تكنْ زمّيتاً، أي وقوراً أكثر من المطلوب، بل عليك أن فهم الواقع الذي نعيشه من كل جانب، قبل أن تحكم على الأمور التي تراها، فإنّ من يحكم على أمر ما من غير أن يعطي الحكم وقته، والبحث حقّه، فإنّه سيقع في الخطأ لا محالة، كما تعلم، فلا تأخذنّك زماتتك بعيداً، ولا تتّجه إلى التطرّف وتظنّه تديّناً، وأنت مذهبك وسَطيٌّ بيّن الوسطيّة في خُلُقك وحياتك ودينك، ويصفك الناس بأحسن الأوصاف، ولم تكن يوماً متشدداً ولا مسرفاً ولا شاذّاً عن جماعة المسلمين!.
قال لي صديقي: لن أردّ عليك في ما قلتَه، وأنا أعلم يقيناً أنّك تحسن الظنّ في أخيك، وقد بلوتُ طِيّتك (نيّتك) فوجدتها صادقةً مخلصةً، ولهذا، لن أدخل معك في نقاش، لكنّي أُعيذك أن تكون ممّن استدرجتهم قِيَم الحضارة الغربية الحديثة، فأولع بها قلبك وصارت ديدنك وحبّك، وقد أخذت حسنها وقبيحها ونافعها وضارها وأنت لا تدري، وإنّي لأرجو أن أكون مخطئاً، فأنت أجلّ عندي من أن تكون من هؤلاء، ولكنّي سأروي لك قصّة من قصص الخيال، وأحدّثك عن مساجلة حصلت بين التاريخين الهجريّ والميلاديّ، وقد قيلت على لسانهما، وذاع خبرها في بلاد الله قديماً، ثم بسبب موت من يحفظها، لم يبق منها إلا ما أنقله لك أيهّا الصديق الوفيّ.
بدأ صديقي القصة، فقال: يقول الراوي: اجتمع النّاس عند أحد ملوك الإسلام السابقين، وقالوا له: أيهّا السلطان الأعظم، إنّك علمت بأنّنا نسجّل تواريخنا بالتاريخ الهجريّ منذ القرون الأولى الإسلامية، والدول الصديقة التي نتبادل معها اليوم المال والتجارة، وبينا وبينهم عهود ومواثيق قديمة، لا يعرف أهلها غير التاريخ الميلاديّ، ولأنّا لا نستطيع الاستغناء عنهم، تضعنا فروق التاريخين في ما بيننا في اختلافات خطيرة، فماذا تأمرنا أن نفعل لنحلّ هذه المعضلة؟
وأيّ التاريخين أحقُّ بالبقاء والاعتماد؟ قال الملك: إنّي كنت أفكّر في نفس الأمر منذ لأي (مدّة)، ولكنّي لم أشغل نفسي به، وظننت أنّ الهجريَّ هو تاريخنا القديم الذي نقيم به شعائرنا، وبه نتميّز عن الأمم الأخرى، ولكنّي بعد حديثكم هذا سآمر الوزير أن يحضر لي التاريخين، وليتناظرا أمامي، لأعلم من يحقُّ له أن ينال شرف البقاء في حياتنا ومعاملاتنا.
ذهب الوزير سريعاً وأحضر معه التاريخين الهجريّ والميلاديّ، فمثلا أمام جلالة الملك في بلاطه، وبعد أداء التحيّة، قال لهما الملك: إنّي أحضرتكما اليوم لأسمع تحاوركما، ومن يغلبُ منكما صاحبه فسوف أعتمده تاريخاً لمملكتي، فابدأ أيها التاريخ الميلادي، لأنّك أنت الغريب.
قال الميلادي: أشكر جلالتك على تشريفي بالوقوف بين يديك، وأنا لا أمتُّ لكم ولا لأمّتكم بصلة من قريب ولا من بعيد، وهذا يدلُّ على انفتاحكم، وقدرة بلادكم على التطوّر ومواكبة العصر، ومن عادة الملوك العظماء أن يبحثوا عن كلّ ما هو جديد ومفيد لشعوبهم، وأنا يا سيّدي أمثّل هذا الجديد المفيد حقّاً، بشهادة كلّ من اعتمدني تاريخاً له.
ثم أذن الملك للهجري بالحديث، فقال: أتيتك يا مولاي سمعاً وطاعةً، لأنّك وليّ أمري، ومرجعي أولاً وأخيراً لك ولأمّتك، وإنّ أجدادك هم الذين اخترعوني من العدم، حفاظاً على استقلاليتهم، وحفظاً لشعائرهم التي أمرهم الله بها، ومنافرةً لأعداء أمّتهم المتربصين بهم، وإنّي أفتخر بأنّني أنا الحديث، الذي أتى بعد الميلادي بأكثر من 600 سنة، فأيّنا أحق بلقب الجديد المفيد: أنا أم الميلادي؟!
وللمقالة بقيّة..