كان في نيّتي أن أكمل معكم موضوع الفنون الإماراتية الأصيلةِ منها والدخيلة التي أُدخلت في تراثنا وليست منه، وقد بدأت الحديث أمس عن فن "الليوا" الإفريقي، ولكن صُدمت كما صُدم غيري من المواطنين في دولة الإمارات، بالخبر الذي نشرته جريدة "الإمارات اليوم"، والذي يحمل أخباراً محزنةً من جامعة العين.

حيث بلغت فيها نسبة الرسوب في مادة اللغة العربية 65% من مجموع الطلبة والطالبات المتقدّمين للالتحاق بها، وهو خبرٌ جعلني أدخل في حزنٍ عميقٍ وتفكيرٍ وخوفٍ على وضع أبنائنا وبناتنا ومستقبلهم في منظومة التعليم العام في دولتنا الحبيبة.

وقد بيّنت في 3 مقالات ماضيات أنّ المسؤولية تقع أولاً وأخيراً على عاتق وزارة التعليم منذ تأسيسها حتى اليوم، ولا أعاتب وزارةً واحدةً بعينها، بل عتَبي على كلِّ من تعاقب في إدارة هذه الوزارة المهمّة التي أراها ويراها أهل الرأي والحكمة أهمّ وزارةٍ على الإطلاق، وبسببها وصل حال التعليم إلى ما نراه اليوم من ضعفٍ وتهلهلٍ، خاصةً حال لغتنا لغة عزّنا ومجدنا وتاريخنا ووجودنا "اللغة العربية"، فإنّها في انحدارٍ مستمّر.

لقد جاء في خبر "الإمارات اليوم" تقرير محزن أعدّه أخي الدكتور خليفة بن علي السويدي وذكر فيه:

نسبة النجاح في اللغة العربية لم تتجاوز 16% من الطلبة، و14% من الطالبات.

جاء في المستويات المتوسطة 19% من الطلاب، و30% من الطالبات.

وهذا يعني أنّ نسبة الراسبين 65% من الطلاب، و56% من الطالبات.

وجاء أيضاً في مختصر التقرير:

انخفض مستوى الطلبة المواطنين خرّيجي المدارس الثانوية الملتحقين بالجامعة، في المواد الدراسية الأساسية وعلى رأسها اللغتان العربية والإنجليزية، والرياضيات والحاسب الآلي.

وقد أرجع الباحث السويدي سبب هذا التدهور التعليمي إلى: اتباع أساليبَ تعليميةٍ غير صحيحةٍ في المدارس، تعتمدُ على تقويم ذاكرة الطالب قصيرة المدى، وليس على التفكير.

قلتُ: إذا كانت الدولة المعطاء دولـة الإمـارات تنفق كـلّ هذا الأموال الطـائلة وتخصّص كلّ هـذه المـيزانيات الضخمة للتعليم ثم يرسب 65٪ من أبنائها، فهذا مؤشر قويٌّ إلى سوءِ إدارةٍ وتخبّطٍ تعليمي يحتاج إلى محاسبةٍ سريعةٍ وعملٍ دؤوبٍ حتّى يتمّ تصحيح مسار التعليم الضعيف، ولا يجوز لنا أن نجامل في مصائر فلذات أكبادنا الذين سيكونون هم قادة المسـتقبل وهم لا يحسنون شيئاً من لغتهم، بل هم ينفرون منها أشدّ النفرة بسبب الأساليب البائسة والمناهج البالية المتّبعة التي لا تفيد ولا تنفع.

وإنّي أحذّر اليوم كما حذّرت سابقاً بأنّ لغتنا جزءٌ بل ركنٌ من أركان أمننا القومي، وهي مادة بقائنا وحياتنا وارتباطنا التاريخي بماضينا، وإذا لم نفعل شيئاً سريعاً لإنقاذ اللغة العربية من هذا العبث الذي لا يُجدي وطُرُقِ التعليم التي أدّت إلى انتكاسةٍ خطيرةٍ في مستوى طلبتنا، فإنّنا حتماً سنواجه أمرين وهما غايةً في الخطر:

انفصال أبناء الإمارات عن لغتهم واعتماد الإنجليزية في حياتهم وبها تضيع هُويّتهم الوطنية.

سقوط من أضاع هُويّته في شراك الأعداء المتربّصين بنا من كل مكان والحاسدين لنا.

تذكّروا أيها الأعزاء أنّ الطالب هو صنيعة المدرسين، وهم يكوّنون فكره ويزيدون مهاراته أو يضعفونها فيتميّز من تميّزهم ويضعف من ضعفهم وإهمالهم، وإنّنا اليوم قادرون أن نغيّر الواقع إذا تداركناه، ولكنّنا لا نستطيع أن نفعل أيّ شيء بعد ذلك إذا تأخرنا، وصدق القطامي عندما قال:

وربّما فاتَ قوماً جلُّ أمرهمُ

من التواني وكانَ الحزم لو عجلوا

اعجلوا أيّدكم الله وأنقذوا اللغة العربية في أسرع وقتٍ لأنّه إنقاذٌ لنا.