مرّت الأيّام تجري مسرعةً والصبيُّ الصغير يبحث عن شيءٍ يشبع جوعه الفكريَّ ويجيب عن أسئلة جدّهِ النحوية المحرجة، التي لم يكن يجد لها إجابةً في بيت والده ولا عند جيرانه، فبدأ رحلة طلب العلم من غير أن يدري، وطفق يسأل على استحياء وخوف، لأنّه ليس يدري من يسأل؟ ومن سيكون جوابه صحيحاً وشافياً يبهر جدّهُ الكبير حين يسمعه؟ فبقي يترقّب على حذر ويبحث في كتب والده، فظفر بكتابٍ عتيقٍ يقرؤه ولا يفهم كثيراً من معانيه، ولكنّه أرشده إلى الطريقة المثلى لأخذ العلم، فاتخذ من هذا الكتاب أنيسه وصديقه الذي لا يكاد يفارقه؛ يأنس برأيه ويرشده عند اشتداد الظلم، ولن أخبركم باسم هذا الكتاب في هذه المقالة، ولكنّي أعدكم أن أفرد له مقالاً أو مقالات تليق بقدر هذا الكتاب.
ثمّ رجعتُ بعد سنواتٍ وجلست بين يدي جدّي النحوي الراوية الشيخ مبارك بن حويرب، رحمه الله، فقال لي: جمال هل تعرف النحو في اللغة؟ قلت له: نعم، فضحك ضحكة تعجّبٍ، وقال: أخبرني، قلتُ: النحو في اللغة له معانٍ منها كذا وكذا وكذا، فقال: وما النحو في الاصطلاح؟ فأجبته، وجعل يسألني وأجيب، فما كان منه إلا أن قال: اقترب، فضمّني إلى صدره ودعا لي، وقال: متى عرفت كلّ هذا؟ ثمّ أخذ سبحةً كانت في يديه ووضعها في معصمي يقيس أمراً ولم أكن أعرف ماذا يفعل، ثم قال: تجيب عن كلّ هذا وأنت لم تبلغ الحلم بعد!
بعد المقالتين السابقتين عن سبب ضعف اللغة العربية في بلادنا الحبيبة، أريد أن أقول لكم أيها الأعزاء: إنّ عتبي ليس على وزارة التعليم الموجودة، ولكنّ عتبي على كل الوزارات التي مرّت وشاهدت لغتنا العربية وهي تضعف كلّ يوم ولا تفعل شيئاً، لأنّها لم تستعن بأصحاب الخبرة والعلم أو أنّها لم تجد وقتاً للاستعانة بهم من كثرة المناهج الدراسية والتغييرات بسببٍ وبغير سبب، ولقد مضت الأعوام وبلغت دولتنا كلّ هذا الرقيّ والتقدم، إلا في تعليم لغتنا القومية التي هي ركنّ من أركان أمننا الرئيسة، والتي يجب علينا جميعاً أن نحافظ عليها ونزيد من تعليمها وتثبيتها في صدور الأجيال.
وأضيف: يا وزارة التعليم.. إذا لم تقومي بزراعة حُبِّ العربية في قلوب الأطفال الصغار، وأظهرت لهم جمالها وأسرارها وأدخلتهم في تحدٍّ لمعرفتها وإتقانها، وقمت بتعيين أفضل المدرسين لتعليم أبنائنا لغتهم فتشتاق لها أرواحهم التي تحبّ الحريّة واللعب وتضييع الوقت في كل ما يُسلّيها، فلن تنجحي أبداً في المراحل المتأخرة من مراحل التعليم، لأنّ أصل التعليم في الصغر وبدايته وكلّ شيء يُبنى عليه. يقول الشاعر صالح بن عبد القدوس:
وإنّ منْ أدّبتهُ في الصِّبا
كالعودِ يُسقى الماءَ في غرسهِ
حتى تراهُ مورقاً ناضراً
بعد الذي أبصرتَ من يبسهِ
ويا وزارة التعليم.. لتعلمي أنّ لغتنا العربية خالدة ولا خطر عليها، لأنّها محفوظة بحفظ كتاب الله العزيز، إنّما الخطر علينا نحن أبناء الإمارات إذا لم تعيدي النظر في أساليب تعليم العربية التي لا تنفع ولا تغني ولا تسمن من جوع، ولتعودي إلى الأصل وإلى زمن المدرسة الأحمدية والفلاح، حيث العلم الصحيح وتعليم اللغة على أيدي العلماء، وكانوا يحرصون على الخطوط الجميلة مع قلة من تخرّج منها، ولكنّ بركة تعليمها باقية في مجتمعنا، وأتمنى لكِ يا وزارتنا الموقرّة التوفيق والسداد.