الخطُّ العربي من أجمل الفنون وعليه تدور العلوم والعقود والأعمال، وإن ظنّ بعضهم أنّ العرب استغنوا عنه بالبرامج الإلكترونية الحديثة فهذا ظنٌّ غير صحيح، لأنّ الحاجة إلى الكتابة باقية إلى يوم القيامة. ولهذا يجب تعلّم الخط والصبر والحثّ عليه، ولا أعني الوصول إلى إتقان جميع الخطوط لأنّ هذا للمتخصصين، ولكن تعلّم استقامة الخط وكتابتها على القواعد الصحيحة حتى تصير للطلبة أمراً هيّناً قد اعتادوا عليه كما كان في الماضي قبل الوزارات والمدارس الحديثة.

وقد تعلّم والدي حفظه الله الخطّ الجميل من الكتاتيب ومدرسة الفلاح، وتعلّم من هم في جيله من جميع العرب في شتى البلدان العربية التي تكتب بخط الرقعة والنسخ والكوفي، والأمر يعود أولاً وأخيراً على المعلّم والمدرسة، ومن يطلّع منكم على خطوط المتعلمين في مصر والشام والخليج العربي يعجبُ من إتقانهم له في ذلك الزمن، حتى جاء هذا الوقت فسقط الخط العربي سقوطاً مخيفاً بسبب مناهج وأساليب وزارة التعليم الضعيفة.

في مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال لي شيخي التركي المرحوم مصطفى أرضرومي - وهو فقيه حنفيٌّ وخطّاط لزمتُ حلقاته فترة من الزمن-: إنّكم أيّها العرب لا تتقنون الخطّ كما نتقنه نحن العجم، لأنّنا نصبر على الشيء حتى نتعلمه ونتقنه أمّا أنتم فما أسرع ما تصابون بالسأم والملل!

ثمّ قال لي عندما سألته إلى متى سأكرر كتابة "بسم الله" بخط الرقعة وقد رأى أّني سئمتُ منها: يا "جمال" إنّ شيخاً خطّاطاً من شيوخنا سأله تلميذه كما سألتني أنت، فقال له: افتح هذه الخزانة، فقام الطالب وفتحها ثمّ قال خذ ورقةً من أعلى كومة الأوراق ومن منتصفها ومن آخرها وانظر ما كُتب فيها؟ ففعل الطالب ما أمره شيخه ففوجئ بأنّها كلّها تمرين على كتابة "بسم الله"، فقال الشيخ لتلميذه: بهذا الصبر والمثابرة بلغت هذه المنزلة الرفيعة في فنّ الخطّ، فعليك بالصبر ولا تسأم! قلتُ لشيخي: ليس لديّ هذا الصبر ولا أجد نفسي تتوق لدراسة الخطّ لأنّني أعشق اللغة والنحو، فقال لي: إذن دعه.

فتركته، وكم ندمتُ على تركي له بعد ذلك.

قبل أن نعلّم الطلبة علوم اللغة العربية من قواعد النحو والصرف والبلاغة، يجب أن ننتبه إلى خطوط المدرسين الذين تنطبع خطوطهم في ذاكرة الأطفال أول ما يتعلمون الكتابة، فإن كان خطّ المدرس جميلاً خرجت خطوط الطلبة الصغار مثله في الغالب، وإنْ كانت قبيحةً سيّئةً خرجت خطوطهم أسوأ منه. وهذا الأمر رأيته وعرفته بالتجربة، لأنّ عقل الطفل كآلة التصوير تصوّر كلّ شيء، وهنا يجب الحذر والانتباه إلى النقاط التالية:

- ضرورة تعيين المدرسين الذين لهم خطوط جميلة في السنوات الدراسية الأولى.

- إذا لم يكن خطّ المدرس جميلا فلا يكتب هو، وليطبع من الجهاز بخطٍّ واحدٍ ولا يعدد الخطوط، كأن يعتمد الرقعة مثلا.

- تعليم الطفل الخط بالإصرار على عدم مخالفة قاعدة الخط، والتشديد على إقامة شكل الحرف بطريقة صحيحة.

- زيادة حصص الخطّ في السنوات الأولى واعتماد خطٍّ واحدٍ حتى يتمّ إتقانه من جميع الطلبة.

- عدم الخلط في المناهج بخطوطٍ مختلفة، بل اعتماد خط واحد لكل المقررات حتى القرآن، لكي لا نشوّه ذاكرة الطفل الخطية.

- نُصْح أولياء الأمور في موضوع الخط لتتناسب مع هدف تثبيت الخط في ذاكرة الطفل، من حيث دفاتر كلمات التلوين وغيرها.

- لا نحتاج إلى دفاتر تعليم الخط كما فعلت الوزارة سابقاً، بل لنضع منهج تعليم الخط بيد معلّم الخطّ وهو يعرف الطريقة المثلى.

هذا وهناك مقترحات كثيرة، ويجب على وزارة التعليم أن تعلم وتنتبه أنّ الأمانة تحتّم عليها أن تستثمر في السنوات الأولى من أجل تعزيز مكانة اللغة العربية وحفرها في قلوب الناشئة، وتبدأ من تعليم قواعد الخط العربي والنطق بالأحرف العربية بشكل صحيح، ثمّ تنتقل إلى علوم اللغة الأخرى كما كان يفعل أسلافنا.. وللمقالة بقيّة.