لا أعلم لغةً في العالم حافظت على وجودها الكامل بقوّةٍ كلّ هذه المدة الزمنية الطويلة من عمر التاريخ، غير لغتنا العربية الخالدة، ولا أعلم لغةً أثّرت في كل حضارات العالم مثل الفصحى، فسحرتها بقواعدها وصرفها وألفاظها وتصويرها وآدابها وأرقامها ومسمياتها ومصطلحاتها، ولم يسع هذه اللغات إلا تقليدها وإدخال لغتنا الخالدة رغما عنها في أصل لغتها حتّى أصبحت منها، كما أخذت الحضارات الحديثة من حضارة الإسلام أُسُس العلوم والمخترعات، وهذا فخر للمسلمين وللعرب وللعربية خالدٌ إلى يوم القيامة، وعن هذا يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله، في قصيدته الخالدة:
سادتْ وعلمَّتِ الدنيا حضارتَها
للِّه ما كانَ منْ عِزٍّ ومُسْتَبَقِ
كُنّا وكانَ منَ الإضْريْجِ مَلْبَسُنا
ومَلْبَسُ النّاسِ من جِلْدٍ ومن خِرَقِ
وليس ثَمَّةَ منْ فخرٍ لَمُفْتَخِرٍ
إذْ فضْلُنا كانَ مثلَ الطَّوْقِ في العُنُقِ
وإنْ أطاق الأُلَى ذُلاً ومنقصةً
فإنّنا أمَّةٌ للذُّلِ لم تُطقِ
يا كاتبَ المجدِ سجِّلْ عن مآثرنا
ما قد يَرُوْقُ لِحُسّادٍ ولم يَرُقِ
نعم يا كاتبَ المجد سجّل عن مآثرنا وعن لغتنا، وعن تاريخنا الذي لا يستطيع أحدٌ أن يحذفه ولا أن يغيّره ولا أن يتجاهله، وكلّما قام أحد الحاقدين وأنكر فضل لغتنا وحضارتنا على البشرية، قام المؤرخون من بني جلدته وردّوا عليه وأنصفونا على مدى القرون الماضية، وهذه المستشرقة الألمانية "زيغريد هونكه" وغيرها من علماء الغرب، يقومون بتأليف الكتب المنصفة التي تثبت فضل المسلمين والعربية على الحضارة العالمية بالأدلة القطعية، وكيف قام الغرب بسرقة العلوم منها من غير نسبتها لأهلها.
اللغة العربية تعيش الآن بسبب العولمة وقوة الغزو الثقافي الأجنبي، في مرحلةٍ حرجةٍ يشعر بعض المتابعين لشأنها أنّها مهددةٌ في بقائها، بل يظنُّ بعضهم أنّها بسبب انبهار العرب، خاصة الأجيال الصغيرة، بالحضارة الغربية قد يؤدي إلى سقوطها والقضاء عليها، مما جعلهم يعلنون عن خشيتهم هذه ويدعون لمؤتمرات كثيرة لمناقشة وضع الفصحى، ويخترعون جمعيّات لحمايتها في أرضها وبين أهلها، وكأنّ اللغة ستنتهي وتزول سريعاً! بل قام بعضهم ونسب إلى منظمة "اليونيسكو" أنّها وضعت العربية في قائمة اللغات المهددة بالانقراض، وأنّها ستبقى فقط في المساجد ولقراءة القرآن! قلتُ: بحثت كثيراً في ملفات المنظمة الإلكترونية فلم أجد نصاً واحداً يشير إلى هذا الموضوع، بل وجدتهم يحتفلون باليوم العالمي للغة العربية وهو بتاريخ أمس 18 ديسمبر من كل عام..
وهذا كذب وتهويل لا يجوز لأهل العلم والفكر أن يقعوا فيه، وكذلك لو قلنا إنّها ستنقرض وصدقنا هذه الفرية - كما يقول المتشائمون من غير دليل - فكيف سيحدث هذا وكتاب الله يتلى ليل نهار وقد تكفّل الله بحفظه إلى يوم القيامة، والحفظ ليس بوجوده فقط بل بفهمه ودراسته ولا يكون ذلك إلا بحفظ اللغة العربية!
وللمقالة بقيّة..