أصعب موقفٍ يمرُّ به الوالد والوالدة هو موقف العقوق ونكران الجميل من أبنائهما، وكأنّ الدنيا كلهّا قُلبت هموماً وحُزناً بسبب ما يتعرّضان إليه من قساوة فلذات أكبادهما وجفاوة الأسلوب منهم أو القطيعة وقد تكون مخاصمةً وشحناء وتصل إلى الضرب في بعض الأحيان عند بعض أصحاب القلوب القاسية من الأبناء ممن فقد دينه ومات قلبه وطار عقله، وقد قالت قديما امرأةٌ تشكو ولدها :
ربّيتــه حتّى إذا مــا تمعـددا
وآض نهداً كالحصانِ أجـــردا
كان جزائي بالعصا أن أُجــلدا
فكيف يُخاصم ولدٌ من كان سببَ وجوده في الحياة، وكيف يقطع وصال من سهر عليه وربّاه وأعطاه من عُمُره وماله، وكيف يرفع ولدٌ يده على من حمله صغيراً وحماه وأسهر عينه لينام وجاع ليشبع، وكيف يدخل ولدٌ أمه أو أباه داراً لرعاية العجزة ثمّ لا يأتيهم ولا يسلّم عليهم حتى إذا انتقل أحدهما إلى الرفيق الأعلى لم يأت ليشهد جنازتهما؟!
"العقوق" ظاهرة تنتشر في مجتمعنا الصغير انتشار النار في الحطيم؛ تبكي القلوب وتهمل العين بالدمع قسراً على ما نراه ونسمع من القصص الغريبة والعجيبة، كأنّ هذا المجتمع المحافظ المتديّن لم يعرف برّ الآباء ولم يشهد التراحم العظيم النابع من دينهم وعاداتهم وطيبتهم وإخلاصهم وأخلاقهم، وكأنّ عيني لم تشاهد خالي -حفظه الله- وهو يقبّل رأس والدته ويدها ورجلها لترضى عنه وهي غاضبة عليه.
ولم أكبر وأنا أسمع بأروع القصص عن برّ أهلنا لآبائهم وأمهاتهم، وكأنّ والدي الشهم الكريم معالي أحمد بن خليفة السويدي لم يكن يطعم أمه بيده التي تقدّم بها العمر كثيرا -رحمها الله- ويسهر عليها حتى لاقت ربّها، وأنا كنت عنده يومئذ ومما قلتُ أرثيها وأسجّل برّه لها:
يا أمّ أحمدَ كم سُقيتِ بحضـنهِ
يسقيك برّاً مــن يديهِ وفـــاءَ
برّاً بهِ الأمثالُ تُضــربُ للورى
ولمنْ يـــريدُ الجـــنّةَ الغـرّاءَ
لو تماديتُ وسقتُ لكم القصص والأمثلة على ما كان عليه مجتمعنا لما كفتني صفحات هذه الجريدة كلّها، فماذا حصل لمجتمعنا؟ وماذا دها هذا الجيل وهو يعيش أفضل من الوقت الذي عشناه وعاشه آباؤنا من الرفاهية والتقنيّات ووسائل الاتصال والخدمات العامة؟
وهل هناك من يستطيع أن يفسّر لنا ظاهرة وجود آباء في دور العجزة وأبناؤهم أحياء وبعضهم في حالةٍ ميسورةٍ وبيوتٍ كبيرة، ومن يشرح لنا أسباب عزوف الأبناء عن زيارة آبائهم في هذه الدور التي لجأت لها الحكومة بعد أن رأت الحاجة إليها ماسّة وظواهر العقوق المخفية والظاهرة في ازدياد حتى أنّ الوالد الطاعن في السنّ يبقى وحيداً في بيته لأشهر ولا أحد يمرّ عليه من أهله، وقد أخبرني أحد من يعملُ في دور العجزة أنّهم في بعض الأحيان يتصلون بذوي المتوفى لديهم ولا يأتون حتى للصلاة عليه والعياذ بالله!
إنّنا نحتاج إلى دقيقة صمت وحداد -كما يقولون- على أصحاب تلك القلوب الطيبة الذين فارقوا الحياة وهم تتقطع أنفسهم حزناً على أبنائهم وبناتهم الذين هجروهم ظلماً، ودفنوهم أحياء قبل موتهم بالقطيعة والمخاصمة، ولم يؤدوا حقّ الله فيهم، ولكني أبشّر هؤلاء الظَّلمة الأبناء بأنّهم سيشربون من نفس الكأس التي سقوها لآبائهم وليعلموا بأنّ الله بالمرصاد، وكما تدين تُدان. ويبقى السؤال الذي سأحاول الإجابة عنه وهو : ما سرُّ زيادة نسبة "العقوق" في المجتمع الإماراتي الكريم؟ . وللمقالة بقيّة.