حفظت صغيراً بيتاً للشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى، وفيه كلمة «خبط عشواء»، فسألت المدرّس عن هذه المفردة، فقال: هي الناقة التي ضعُف بصرها، فهي تتخبّط إذا مشت لا ترى ما أمامها، ثم ضرب بها العرب مثلاً للشخص الذي يمشي على غير هدى وبصيرة، وقد شاع استخدامها كثيراً، حتى صارت في اللغة الحديثة تُستخدم في كل شيء يتمّ تنفيذه من غير علم ولا تجربة ولا تخطيط مسبق، وهي ما نسميها اليوم بـ «العشوائية».
وقد بقيت لديّ المفردة وصادفتها في كثير من جوانب الحياة، خاصة في دول العالم الثالث التي تُعرف بالعشوائيات السكنية والفكريّة والصحية والعلمية والاقتصادية، حتى كأنّ بلاد المسلمين لم تعرف حضارةً من ألف سنة، ولم تجعل العالم يسير خلفها يوماً، ولكنّها سنّة الحياة، وتكالب الأعداء، وكثرة القلاقل والفتن، تهدم كلّ بناء عال، خاصة إذا كان مثل أمة العرب، التي بُليت بالأعداء على مدى قرون لا يكلّون ولا يملّون، وعداوتهم شرسة لا تعرف الرحمة!.
المتتبّع للتاريخ القديم والحديث للأمّة العربية، وما مرّت به من انتصارات وإخفاقات، وارتفاع وتدهور، وتغلّب على الأمم العظيمة انتهى بتغلّب الأمم عليها؛ سيجد أسباباً كثيرة قادت إلى هذه المنزلة والمستوى الضعيف بين الأمم، وقد ورثها العرب جيلاً بعد جيل، ولم يتحركوا لتغيير هذه الحال المزرية التي هم فيها، وكلّما أرادوا التخلّص من عدوٍّ، أصيبوا بسهام أعداء آخرين، حتى جاء العصر الحديث، وثارت الشعوب العربية من أجل حريتها واستقرارها، وبدأت في تكوين حضارتها وتطوير مقوّمات حياتها، وبدأت في الازدهار والانتعاش والاستقرار السياسي والاقتصادي، ولكنّهم لم يتخلّصوا من داء «العشوائية»، وظنّوا أنفسهم في معزل عن العالم، حتى أتاهم أعداؤهم من حيث لم يحتسبوا، لأنّ الغرب يعمل بمستوى عالٍ من التنظيم والتخطيط ووضع الاستراتيجيات بعيدة المدى، ويحققها، ويضع أيضاً خططاً دفاعية محكمة، مع فرض عدة «سيناريوهات» لكل حدث يمكن توقّعه، فإذا وقع كان الغربيّون مستعدين له، بل في غاية الاستعداد.
ومن أسباب فشل العرب قديماً في تحقيق أمانيهم بعد قرون العزّة والحضارة، أنّهم يحبون:
العمل بفردية وترك الشورى التي أمرهم الله بها ومدحهم بها.
الفخر بالعرق والجنس أكثر من فخرهم بالعمل والإنجاز والتقدّم.
السرعة في الأداء وعدم إعطاء العمل حقه من الوقت، وحصاد الثمر قبل وقت الحصاد.
التخوين وعدم النظر إلى الناس بعقلية المتمدن الحذر الذي يضع الناس في أماكنهم الحقيقية.
عدم الاستعانة بأهل الاختصاص من أهل الخبرة والصدق والرأي والمعرفة.
الدفاع الفكري العشوائي غير المنظم، الذي لا يتم الاستعداد له بمنطقية وعلم.
إنّ الكلام يطول بنا عن هذه الأسباب التي ذكرتها، ولكن يكفي أن نعلم أنّ من يريد الدفاع عن وطنه ومكتسابته، يجب عليه أن يفكّر أولاً في الدفاع الفكري عن مكتسباته، قبل أن يفكر في الدفاع بالأسلحة وتجهيز الجيوش، لأنّ الهجوم اليوم علينا ليس بالطائرات ولا الدبابات، ولكن بالفكر «المجرثم» و«المسرطن»، الذي يدخل في قلوب الناس من غير أن يشعروا به، فيملكهم ويوجّههم وهم يحسنون الظنّ به، حتى أمست عقولهم مسيطَراً عليها من بُعد، وبضغطة زر على جهاز التحكم ينتهي كل شيء، وتتغير الأمور بأسرع من لمح البصر، لأنّ الحكومات تؤمّن شعوبها بالجيوش الجرارة، وتنسى ما هو أكثر خطراً بأمنها، وأشد فتكاً بأفكار أهلها، ألا وهو الفكر المريض.
لا أنكر أنّ هناك دفاعات فكرية من أناس مخلصين نجدها من هنا وهناك، ولكنّها في الغالب ضعيفة أو متوسطة القوة لا تؤثّر كثيراً، ولا تستطيع مواجهة سيل الهجمات المتتالية، والغارات الشعواء المتواصلة علينا من قبل قنوات الأعداء ومواقعهم على الإنترنت وغيرها. وهؤلاء المتصدّون المتبرّعون من عند أنفسهم، لهم منّي جزيل الشكر والامتنان، ولكنّ ما يقومون به لا يكفي، بل هي دفاعات عشوائية، مصيرها الفشل لا محالة، إذا لم تتضافر جهودنا وتعاونّا جميعاً على حفظ أبنائنا وبناتنا ومكتسباتنا الحضارية التي حققناها وتميّزنا بها عن سائر شعوب المنطقة.
وللمقالة بقيّة.