من عادتي أن أقلّب القنوات التلفزيونية بحثاً عن برنامج مفيدٍ، فأقع كثيراً في مصيدة إحدى قنوات التحريض والشتائم والاتهامات المضحكة، وأتوقّف عندها لأرى ماذا استحدثت من جديدها وأضحك قليلاً على خرافاتها، ولكنّها تُعرف بالأصوات العالية االنشازب والأشكال العجيبة للمقدّمين والضيوف، الذين تشعر عندما تشاهدهم بأنّك دخلت في سوقٍ شعبيٍّ مصريٍّ تباع فيه الخضروات والأسماك والأشياء القديمة، فأتذكّر مباشرةً المثل المصريَّ الطريف: "خذوهم بالصوت لا يغلبوكم"، لأنّ الأصوات لديهم مرتفعة جداً تجعل الآذان في انزعاجٍ شديدٍ، ولا تروق إلا لمن يهرب من القنوات المنوّعة ويبحث عن الدين، ولكنّه لا يعرف قواعده الشرعية وتعجبه الإثارة والقصص والأساطير.. وإن أخبرتكم عن حالي أيّها الأعزاء عند مشاهدتي لها - وأنا أبغض الصوت العالي - فحالي لا يسرّكم، ولكن يجب علينا متابعتهم ودراستهم وفهم ما تنطوي عليه سرائرهم لنبيّن للناس على علمٍ ودراية.

 

- لهذه القنوات المحرّضة على الفتن وأعمال التخريب وتتستّر بمسميات دينية؛ مواقع على الإنترنت وحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، ولها مروّجون ومسوّقون من أصحاب الحسابات التويترية والفيسبوك، فهي تصيد قلوب السذّج الطيبين من كل صوب، أينما توجّهوا في بحثهم عن الدين يجدونها أمامهم ولا يقدرون أن يهربوا منها إلا نادراً، ممّا يستوجب أن أطرح بعض الأسئلة المهمة:

من يموّل هذه القنوات المحرّضة وهي ضعيفة في إعلانها؟ وقد أخبرني - قبل ثورة يناير بسنتين- صاحب محطة تلفزيونية أنّه في ضيقٍ شديدٍ بسبب تكاليفها الباهظة، ثم فوجئت به أثناء الثورة وبعدها يتمدد كالمطّاط من قوّة ميزانيته، وينفق إنفاق من لا يخشى الفقر!

لماذا تلبس هذه القنوات لباس الدين والعلم وهي تشتغل طيلة الوقت في السياسة والتحريض والتمكين لطائفة دون أخرى؟

كيف استطاعت أن تتمكن من ترويج أفكارها المضللة وأخبارها المكذوبة عند أهالي الخليج العربي؟

لماذا تلبس لباس السلف الصالح وهي تدافع بشكل مخيف عن طائفة لا تلتقي في فكرها أبداً مع الذين تتدعي زوراً أنها منهم؟

وهناك أيضاً أسئلة أخرى ولكنّ مساحة المقال لا تكفي لإدراجها هنا.

 

- الذي يتابع أساليبهم وطرقهم يستطيع أن يعرف أنّ هناك جهة ذكية، أو لنقل جهات، تساعدهم وتخطط لهم، فهم يختلفون تماماً عمّا كانوا عليه قبل الثورة، حيث رأيتهم من قبل ومن بعد، وقد رأيت الفارق الكبير من حيث التغطية والإخراج وطريقة البرامج، مع احتفاظهم بالشكل السوقي الذي ذكرته آنفاً.

ومن هذه الأساليب العجيبة التي وجدتها كالقاعدة المطردة لديهم:

تواصل البرامج في موضوع ما حتى يترسّخ الموضوع في قلوب من يتابعهم.

طريقة التبجيل والتعظيم المبهرة وإضفاء لقب العالم على من يشاؤون.

الكلام المتواصل الناعم لبعض نجومهم حتى يتمّ تخدير المشاهدين ليتلقّوا كل ما يأتيهم منها بعد ذلك بالسمع والطاعة.

 

- هذا ومن العجائب أنّي وجدت بعض النساء من عامة أهل الإمارات صارت هذه القنوات هي مصدر الدين والعلم والأخبار لديهنّ، وكلّما حذّرتهن نظرن إليّ بنظرٍ شزرٍ فيه كرهٌ لما أقوله لهنّ، وهنّ لا يدرين أنّهن وقعن في فخٍّ عظيم، أسأل الله لهنّ ولأمثالهنّ ولكلّ من وقع فيه النجاة منه، لأنّ ديننا الحنيف دين علم وصلاح وسلام وجمع.. وللمقالة بقيّة.