العالم منذ ثلاث سنوات وبالتحديد من أكتوبر سنة 2008 يمرُّ بأزمة اقتصادية عظمى لم يشهد لها العالم مثيلاً منذ آخر الكوارث المالية التي بدأت في يوم الخميس الأسود 29 أكتوبر 1929 والتي كانت بداية كارثة مالية دولية ومجاعة أميركية وعالمية خطيرة بسبب السقوط الشديد لسوق الأسهم الأميركية آنذاك، وقد قضت هذه الأزمة على الأخضر واليابس وبقيت لسنوات حتى تمّ التعافي منها تدريجياً وكان لسان حالهم يقول كما قال الجاهلي عديّ بن زيد العبادي:
ولو بغيرِ الماء حلقي شرِقٌ
كنتُ كالغصّانِ بالماءِ اعتصاري
ويقصد الشاعر أنّ من يشرق بالأكل فهو يعتصر ويزيل شرقه بالماء ولكنّ من شرق بالماء ماذا يصنع؟ وكذلك حال الأسواق فماذا تصنع إن غصّت بالمال الذي هو حياتها؟!
أوّل ما تقضي الأزمات المالية على المؤسسات الثقافية والمؤسسات غير الربحية التي تحتاج إلى دعم المجتمع ثم تتطور حتى تصل إلى المؤسسات التي تحتاج إلى صرف كبير مثل الصحف والتلفزيونات والمجلات وما أشبهها خاصة تلك التي قامت بتوسيع أعمالها وإصداراتها كثيراً في وقت الرخاء حتى إذا جاء الجدبُ وعم الجفاف بدأت بالمعاناة ورأينا الأمراض تدبُّ في أجهزتها الإدارية والمالية مما يجعلها معرضة لجميع الاحتمالات الخطيرة، إلا إذا كانت هذه الشركة الإعلامية لها تاريخ عريق في بلدها فلن تسمح الدول بإغلاقها ولكنهّا لن تمنعها من اتخاذ أي تدابير فعلية لتحمي بقاءها وتبقي على مصالح العاملين فيها، وليس أدلّ على ذلك من قرار إدارة مجلة "نيوز ويك" العالمية في تحويلها إلى نسخة إلكترونية آخر هذه السنة بسبب الخسائر التي تتعرض له، ولم يكن أمام إدارتها إلا فعل ذلك، وقد حزنت لهذا الخبر لأنّها أكثر ما يسليني عندما استخدم إحدى الطائرات الأوروبية التي لا يوجد فيها أي نوع من الخدمات ما عدا قراءة "نيوز ويك" و"التايم" والله يحفظ لنا ناقلاتنا الوطنية الإمارات والاتحاد.
"الجارديان" من الصحف الذائعة الصيت جداً والتي تعدّ من الصحف الأولى في بريطانيا وتتميز بموقعها الإلكتروني الذي يفضله معظم القراء البريطانيين، وهي صحيفة قديمة جداً بدأت في الصدور سنة1821 في مدينة مانشتر وكانت تسمى "مانشتر جارديان" ومؤسسها يدعى جون تيلور، وقد بقيت بهذا الاسم حتى سنة 1959عندما تم الاستغناء عن كلمة مانشتر وبقيت تسمى "ذي جارديان"، ومن أشهر رؤساء تحريرها شارلز سكوت الذي عمل فيها لمدة 52 ثم قام بتملكها سنة 1907 ويعود لسكوت الفضل في جعل "الجارديان" معروفة جدا عند الإنجليز.
أخذ النقاد على "الجارديان" بعض التحليلات والأخبار المضحكة أو الخاطئة ولا أستطيع أن أذكرها هنا ولكنّ من أشهرها ما وقع للمتظاهرين الإيرلنديين في 30 يناير من عام 1972 حيث قتلت الشرطة البريطانية 13 متظاهر منهم وما كان من جريدة "الجارديان" التي تؤمن بالحرية والعدالة للشعوب كما تقول إلا أن ألقت باللائمة على المتظاهرين وليس على الحكومة البريطانية !، وفي سنة 2004 ظهرت مقالة عجيبة لأحد كتابها يدعو إلى قتل الرئيس الأميركي "بوش الابن" وهو مقال ساخر في شكله ولكنه أثار جدلا واسعا فاضطرت "الجارديان" للاعتذار عنه وحذف ما نشرته على موقعها.
تعاني اليوم "الجارديان" من أزمة مالية خطيرة وقد بدأت منذ ٣ سنوات أي من بداية الأزمة المالية تقريبا وهو مما يجعل الشكوك تدور حول بقائها ومستقبلها، ولهذا فهي تحاول كلّ ما تستطيعه أن تجلب لها الدعم المالي الذي يمكن أن يوفّر لها استقرارا تمويليا لأمدٍ معين، ويقال: إنها تخسر مئة ألف جنيه كل يوم! وإذا صحّ هذا الخبر أيها الأعزاء فيمكن أن نفسّر لماذا تهاجم "الجارديان" دولتنا الحبيبة دولة الحضارة والكرامة دولة الإمارات العربية المتحدة، حفظها الله وحفظ حكامها الكرام وشعبها المخلص الوفي .. آمين.