لا يعرف أحدٌ على وجه الأرض اليوم متى وقعت أول كذبة في التاريخ الإنساني، ولكنّنا جميعاً نعتقد أنّها قديمة جداً قِدَم الإنسان نفسه، ولا يمكننا بعد تقادم الأزمان أن نعرف حقيقة صدق الأحداث من كذبها إذا لم تُقيّد في وقتها أو قريباً منه، أو ذُكرت في كتاب الله عزّ وجلّ وحديث رسوله صلى الله عليه وسلّم، ولا نملك إلا أن نقوم بتحليل الخبر، وإن كان قديماً، ووضعه على طاولة القواعد العلمية الصحيحة، لكي نصل إلى نسبة عالية من الظنّ، إما تصديقاً أو نفياً، وذلك بمقارنة التواريخ، والتفكّر في وضع الأقوام والأماكن التي وردت في الخبر، وهكذا، حتى يتبيّن لنا الأقرب إلى الصواب، وهي مهمّة شاقّة، ولكنّ فيها من المتعة ما يساوي لنا مليارات الدراهم.

ويقول ابن خلدون (808هـ)، في مقدمته العظيمة لكتابه التاريخي «العِبر»: «ولمّا كان الكذب متطرقاً للخبر بطبيعته، وله أسباب تقتضيه، فمنها التشيّعات للآراء والمذاهب، فإنّ النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر، أعطته حقّه من التمحيص والنظر، حتى تتبيّن صدقه من كذبه، وإذا خامرها (خالطها) تشيّع لرأي أو نحلة (دين)، قبلت ما يوافقها من الأخبار لأوّل وهلة (مرة)، وكان ذلك الميل والتشيّع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله».

قلتُ: لو تدبّرنا مقولة ابن خلدون هذه، لعلمنا أنّ معظم الكذب ينشأ من التشيّع للآراء والمذاهب، فلا يرى صاحب التعصّب في التاريخ الكذب أنّه كذب، لأنه يوافق معتقده ورأيه، وهنا مصدر الخطر.

ثمّ يتابع ابن خلدون حديثه عن الكذب في الأخبار وأسبابه:

- من الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضاً، الثقة بالناقلين، وتمحيص ذلك يرجع إلى (علم) التعديل والتجريح.

ومنها الذهول (الغفلة) عن المقاصد، فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين (رأى) أو سمع، وينقل الخبر على ما في ظنّه وتخمينه، فيقع في الكذب.

ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع، لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنّع، فينقلها المخبر كما رآها، وهي بالتصنّع على غير الحق في نفسه.

ومنها تقرّب الناس في الأكثر لأصحاب المراتب (العظيمة من الملوك وما أشبههم)، بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك، فتستفيض الأخبار بها على غير حقيقة، فالنفوس مولعة بحبِّ الثناء، والناس متطلّعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة، وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها.

ومنها الجهل بطبائع الأحوال في العمران، فإنّ كلّ حادث من الحوادث ذاتاً كان أو فعلاً، لا بدّ له من طبيعة تخصّه في ذاته، وفي ما يعرض له من أحواله، فإذا (كان) السامع عارفاً بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها، أعانه ذلك على تمحيص الخبر، وعلى تمييز الصدق من الكذب.

قلتُ: تأمّلوا أيها الأعزاء القواعد العلمية التي أقرّها العلامة ابن خلدون، وحاولوا تطبيقها على ما تقرأون من التاريخ، وسوف تهتدون إلى الصواب بإذن الله. وإن كنتم لا تستطيعون ذلك، فاسألوا أهل العلم الثقات، فإنّهم أهل للسؤال، وإيّاكم من خديعة من لا علم له ولا معرفة، فيخلط عليكم «الحنين بالرغا»، كما نقول في لهجتنا العامية.

وإذا علمنا ما يعيننا على تمييز الخبر الصحيح وضده، فلنعد إلى أصل موضوعنا عن الأكاذيب التي روّجها بعض الناس بعد سنة من مقتل الرئيس الأمريكي «جون كينيدي» سنة 1964، وظهرت في بعض الصحف، حول التشابه الكبير في الأحداث بينه وبين الرئيس «أبراهام لينكون»، وللأسف أنّ هذه الخرافات لا تزال منتشرة بين الناس في كل العالم، وهناك من ينشرها من الإخوة العرب في الإنترنت، من غير أن يكلّف نفسه عناء البحث عن صدق هذه المعلومات، ولا أنكر أن بعض هذا التشابه صحيح، ولكنّ أكثر ما قالوه لا يصحُّ، وهو من نسج الخيال.

فمن الأمثلة على كذبهم المضحك، قولهم: لينكون هو اسم سكرتيرة «كينيدي»، وكينيدي هو اسم سكرتيرة «لينكون»، وهذا كذب محض.

ومن المضحك جداً أيضاً قولهم إنّ «لينكون» كان في منطقة مونرو في ميرلاند، أما «كينيدي» فكان مع الفنانة مارلين مونرو.. وهناك قائمة طويلة بهذه الأكاذيب، ولم يصحّ منها إلا القليل، لترويج سفاهاتهم التي لن تجد طريقها إلا إلى قلوب من يصدّق كلّ ما يُقال له جهلاً، كما ذكر ابن خلدون رحمه الله، فتدبّروا.