منذ بداية رواية التاريخ وكتابته وجمعه من قبل المؤرخين في الكتب، وُجد بينهم الصادقون أهل التحقيق والتدقيق والحفظ الصحيح، وعُرف منهم أهل المبالغات والمزايدة من غير إنصافٍ، وهناك - وما أكثرهم - حطّابو الليل الذين لا يفرقّون بين الحقيقة والباطل، فهم في وهْمٍ عجيبٍ وظلامٍ دامسٍ لا يدرون أيقعون على الذهب والفضة، أم على الأفاعي السامة والهوام، وكذلك اندس بين هؤلاء الكذّابون الذين احترفوا تزوير الحقائق وتحريف الأخبار على أهوائهم وأهواء من يتبعونهم، وهؤلاء قلّة ومعروفون ويمكن فضح كذبهم بسهولة من قِبَل المحققين الأعلام.

وإذا صحّ كذب الأفّاكين والدجّالين على رُسُل الله عليهم الصلاة والسلام، فمن باب أولى أن يأتي من يكذب على خاصة الناس وعامتهم، وهذه طامة كبرى لو تفكرنا بها، حتّى اختلط الأمر على بعض الفلاسفة فقالوا: إنّ التاريخ فيه كثير من الكذب والافتراءات، ولهذا يجب عدم الاعتداد به.

ولكنّ الحقيقة أنّ التاريخ يحوي الأنواع كلها من صدقٍ ومبالغةٍ وكذبٍ، وعلى العلماء المؤرخين أن يبيّنوه للناس ويردوا على افتراءات الكَذَبة وأشياعهم، بالتصدي لهم بالنقد والإنكار بكل قوة، وتحقيق التاريخ وتمييز صحيحه من سقيمه، كما قال العلامة المؤرخ ابن خلدون رحمه الله (808هـ): "إنّ التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، ولكن في باطنه نظر وتحقيق".

يقول خطيب روما شيشرون (43 ق.م): "التاريخ شاهد الأزمنة ونور الحقيقة وحياة الذاكرة ومُعَلّم الحياة ورسول القِدَم"، وهو كلام لا يتجاوز الحقيقة بل هو الحق بعينه، ولكن إن سقط التاريخ في أيدي الجهّال والبطَلَة الكذّابين فالسلام عليه، لأنّه سينتهي به الحال إلى قصصٍ مضحكةٍ ورواياتٍ غريبةٍ لا تصلح إلا في كتاب "ألف ليلة وليلة" وما أشبهها من الروايات الخيالية التي لا يمكن أن يصدّقها عقل، فإن صدّقها فهذا دليل عدم وجود العقل من أصله.

كما هو موجود في كتاب "الإمامة والسياسة" المنسوب ظلماً وعدواناً للعلامة ابن قتيبة الدينوري، وكتاب "بدائع الزهور" الذي لا يساوي الحبر الذي كتب به، وغيرها من الكتب الموضوعة المصنوعة التي لا علاقة لها بموضوع التاريخ إلا بالاسم، وكذلك ما ظهر في هذه السنوات من كُتُب عجيبةٍ بيّنة الدجل والإفك، من أمثال كتاب "إمتاع السامر" الذي أسميه رئيس الميْن (الكذب) في الخليج وغيره.

وقد أذكر بعضها في مقالاتٍ منفصلةٍ إن شاء الله، لأبيّن لكم أيّها الأعزاء كيف يكذب هؤلاء ويتعمدون تشويه حقائق التاريخ ليضلّوا به الناس وليستفيدوا فوائد دنيوية زائلة والعياذ بالله، وكأنّهم لم يسمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إنّ الكذب فجور وإنّ الفجور يهدي إلى النار وإنّ العبد ليتحرّى الكذب حتى يكتب كذّاباً".

ولا يظننّ أحدٌ منكم أنّ الكذب شاع في بلاد المسلمين فقط، بل الكذب في التاريخ عامٌّ على كلّ شعوب الأرض، ويمكن أن نقول إنّ الوضع لديهم سيئ جداً، خاصة في التواريخ القديمة، بعكس كتب مؤرخي الإسلام عندنا، لأنّها كلما قَدمت زادت قوةً وصحةً، لوجود كبار العلماء والرواة وتمييز الأسانيد. وقد قال سفيان الثوري رحمه الله (161هـ): "لمّا استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ"، وقال أيضاً يذكر فضيلة الإسناد: "الإسناد هو سلاح المؤمن فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟"، وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله : "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".

استفاد المؤرخون في الغرب من قواعد علماء الإسلام في العصور الأخيرة، وأسسوا مناهج بحثية قوية، وصاروا أكثر صرامة في مجال تحرّي الروايات التاريخية، وبدأوا بكتابتها بطريقة أكاديمية علمية ليخرجوا من ظلمات جهل الماضي إلى المعارف الحديثة التي تؤهلهم للتميّز عن الآخرين، ولكن هذا لا يعني خلوّ كتبهم من التزوير والكذب، بل هناك كثير منه خاصة عند أهل الخيال وغير المنصفين منهم.

ومن هذا الباب الأخبار التي خرجت في ستينيات القرن الماضي، التي تزعم التشابه الكبير في الأحداث بين الرئيس الأميركي السادس عشر أبراهم لينكون (1809-1865) والرئيس الأميركي الخامس والثلاثين جون كينيدي 1917-1963))، ولا يزال كثير من الناس يصدق هذه الدعاوى، وقد انتشرت للأسف بين متصفحي الانترنت العرب، وهذا ما سأقوم بذكره لكم في المقالة القادمة إن شاء الله.