أصبحت في يومٍ من أيام شهر يوليو من سنة 2002 وأنا في المدينة البافارية الساحرة "منشن"، وقد مللتُ من الجلوس في بهو الفندق والمشي في الأسواق، إذ كنتُ أحرص في تلك الأيام على قضاء فترة الإجازة كاملةً بعد مرور سنة أعمالٍ صعبةٍ ومشاق لا يعلم بها إلا الله، ولا بدّ من الراحة البدنية والذهنية لكلِّ من يرهق نفسه في العمل ولا يرحمها، بل يجب أن يجعل لنفسه يوماً للراحة في الأسبوع وأيّاماً يقضيها في السنة لتجديد طاقته داخل البلاد أو خارجها، وإلاّ سيجد نفسه بعد لأيٍ (فترةٍ) صريعاً لليدِ والفمِ، فحدّثت نفسي وأنا في هذا الملل الشديد: لماذا لا أطلب مقابلة بعض الأساتذة الأدباء الكبار فأتحدّث إليهم وأتعرّف إلى حالة التعليم والآداب في ألمانيا؟ فاتصلت بإحدى المترجمات الألمانيات واسمها "روث ماشر" تحسن 4 لغات منها اللغة العربية، فقلت لها: هل تعرفين أستاذاً له منزلةٌ علميةٌ في "منشن"؟ فقالت: نعم أعرف البروفيسور ولف غانغ فورهولد (Wolfgang Frühwald) ، فقلت: أريد زيارته إذا كان وقته يسمح بذلك.

فتمّ ترتيب الموعد في يوم 25 من نفس الشهر، وقمت بزيارته الساعة الثانية ظهراً في "معهد فقه اللغة" التابع للجامعة العريقة "لودفيج مكسمليان"، فلما جلست معه علمت في أوّل 5 دقائق بأنّني أجلس مع أحد أكبر علماء ألمانيا في اللغة والتاريخ الأدبي، ولا أبالغ في ذلك.

جرى الحديث بيني وبينه عن الأدب الألماني والأدب العربي، ووجدته حريصاً على السماع منّي أكثر من كلامه، وهو أكبر سناً وعلماً، فقد ولد سنة 1935م ودرس الأدب والتاريخ والجغرافيا والفلسفة، وعمل في مناصب علمية كبيرة وله كثير من المؤلفات المهمة، وهو حاصل على عدة جوائز علمية كبيرة في مجاله، ولكنّه تواضعُ العلم العجيب الذي لا يعرفه إلا العلماء، وكلّما ارتفع رصيد الإنسان من العلم زاد تواضعا وانخفاضا إلى الأرض، والعكس صحيح.

وقد سألته عن أديب ألمانيا الأول "غوته" فقال لي: هل تعلم أنّه كان مولعاً بالحضارة العربية؟ وهل تدري أنّه كان متأثراً بشاعركم المتنبي؟ فقلتُ له: وأين هي مؤلفاته؟ هل طُبعت كلّها؟ قال لي: انظر وراءك، فلمّا نظرت فإذا مكتبة كاملة كلّها لـ"غوته"! قلتُ: كلّ هذا له! قال: إنّ فضل "غوته" على الأدب الألماني كفضل "شكسبير" على الأدب الإنجليزي وقد يكون أكبر، لأنّه جعل لغتنا لغة آداب بكل فخر.

وقال لي البرفيسور "ولف غانغ": قد نما إلى علمي أنّك تقول الشعر، فقلت له: نعم، ولديّ قصيدة كتبتها في "منشن" وهي مترجمة إلى الألمانية. فتبسّم ضاحكا وقال: أريد أن أحتفظ بنسخةٍ منها. ومنها هذه الأبيات في مطلعها:

وصلنا بحمد اللهِ أرضَ "ميونخٍ"

                          فطابَتْ لنا أيّامها ومناخُها

وجادتْ لنا الدنيا وكانتْ شحيحةً

                    وقد زال عنها حَزْنها وسباخُها

بلادَ رجالٍ لم تفتهمْ حضارةٌ

                     صقورٍ تغذّى بالمعالي فراخُها

لكم ملؤوا الدنيا بكلِّ عجيبةٍ

                   ولي أمّةٌ لم يبقَ إلا صراخُها

إلى آخر الأبيات التي أتعجب فيها من حال هذه الأمة الإسلامية العظيمة التي ليس لها شبيه في الأمم، وترضى بأن تكون في آخرها.

من طرائف هذه الزيارة الأدبية التي أضحكتني وضحك منها البروفيسور؛ عندما سألته عن سبب كثرة العجلات الهوائية المقفلة بالسلاسل على جدار الجامعة، فقال: هذه عجلات الطلبة وهي كثيرة جدا، وكذلك يملكها الأساتذة الذين يأتون بها إلى الجامعة، فهم لا يحتاجون إلى السيارات مثلكم، ثم قال: أذكر أني دعيتُ مرّة إلى إحدى جامعاتكم في الإمارات، ولما وصلتُ إلى مواقف السيارات فيها فوجئت بكثرة السيارات الفارهة التي يبلغ سعرها عشرات الملايين، فسألت المرافق: لمن كل هذه السيارات؟ فأجاب: هي للطلبة، فعجبتُ من ذلك أشد العجب كما عجبتَ أنت اليوم من كثرة العجلات الهوائية عندنا، ولكنك يجب أن تعرف أنّ العلم لا يطلب بالرفاهية بل بالعزم والمشقة والصبر، ويكذب من قال إنه يمكنه أن يصل إنسان إلى العلم بما رأيتُ في مواقف السيارات في جامعتكم!