لم يكن القضاء في يوم مكانة اجتماعية يسعى إليها أهل العزم والعلم والفضل من الناس، ولم يكن أيضاً تجارة وربحاً يشدُّ شطرها (نحوها) أهلُ التجارة والمطامع الدنيوية، وليس هو وظيفة يبحث صاحبها عن راتب شهري، وإن خصّصت الحكومات له راتباً، ولكنّه أمر عظيم، تقوم عليه كلُّ أمور الناس وحياتهم، فما من شيء في هذه الحياة إلا والقضاء له صلة به من «المهد إلى اللحد».

ولقد كان يراه كبار القوم من العلماء والفضلاء، من أمثال الإمام أبي حنيفة النعمان وغيره، ثقيلاً عليهم وخطيراً يهربون منه ولا يقتربون إلا بعد الإلحاح الشديد والأمر الذي لا يسعهم رفضه من الخلفاء، وهو منصب عظيم - بلا شكٍّ - إذا لم يقم به أهل العلم والفضل، حمله من هو دونهم ظلماً وجهلاً، فهوى القضاء من علٍ، وهوت معه الحقوق والحدود، وهُدّم المجتمع من أساسه، لانتشار الفوضى وعموم الظلم، فتسقط بسقوطه الدول، وأخبار التاريخ شاهدة عليه.

 ولهذا يحرص الحكّام العادلون على نزاهة القضاء، والحفاظ عليه من الحيف والظلم، لكي لا يتصدّع بنيان الدولة بسببه، وقد رأوا أنّ أيّ دولة تهاونت في أمر القضاء وسلّمته لغير أهله، فإنّها بذلك تدقُّ أول دسار (مسمار) في نعشها، وليس أدلّ على خطره من قول الله عز وجلّ: «والسماء رفعها ووضع الميزان، ألاّ تطغوا في الميزان»، فانظروا كيف وقع عطف «وضع الميزان» وهو العدل، على الخلق العظيم في «رفع السماء»، ليعلّمنا عزّ وجلّ أنّ ميزان العدل من أعظم الأمور وأخطرها، ولا يجوز أبداً أن يقع فيه التلاعب ولا الظلم.

هناك قصص كثيرة تدلُّ على نزاهة قضاتنا القدامى والمعاصرين، وخوفهم من الله، ومحاولتهم الإصلاح بين الخصوم، مع أدب جمٍّ وموعظة حسنة، ولكن تقع بعض التصرفات الشخصية لبعض القضاة تحت وطأة ظروف العمل القضائي، ومحاولة الوصول إلى الحكم الصحيح، فالأمر ليس سهلاً كما كان عليه الحال قبل نشأة المحاكم الحديثة.

حيث كان يقضي القاضي بما تيّسر في بيته ومسجده، وقصر الحاكم وفي السوق، وأينما توجه إذ يأتيه الخصوم فيقضي بينهم بما فتح الله عليه، أمّا اليوم فالنظام صار معقّداً جداً بسبب التطور وكثرة القوانين وعظم الشركات والمؤسسات، فلا يمكن أن يعود الأمر كما كان، وكيف يعود ونحن نرتبط بالقضاء العالمي في مبناه وصوره الجديدة؟ ولكن تبقى قواعد القضاء الرئيسة لا تتغير على مر الزمان، كما بيّنها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقاضيه على البصرة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وقد ذكرتها في أول المقالة، وشرحت معاني كتابه باختصار.

وقد شدّني بقوة قول الفاروق في آخر رسالته: «وإيّاك والقلق والضجر والتأفف بالخصوم، فإنّ الحقَّ في مواطن الحقِّ يعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر»، فتأملّوا، أيّها الأعزاء، كيف أنهى «عمر» كتابه بتذكير القاضي بآداب القضاء، وأمره بالصبر على الخصوم، والرفق بهم، طلباً للأجر، وحسن الذكر والسمعة بين الخلق، فالقضاء ليس بطشاً ولا سيفاً مسلطاً على رقاب الخصوم، بل هو رحمة الضعيف، والحدّ من ظلم القويّ.

قصة واقعية

هذا، وقد التقيت أحد الإخوة من الشباب المواطنين الذين لم أرهم منذ فترة، فأخبرني بأنّه كان في السجن بسبب «شيك» من غير رصيد، وقد قضى 3 سنوات، فسألته: ألم تستطع أن تدفع المال الذي عليك، وأنت لديك بعض الدخل؟ فقال: إنّ مالي ومال هذا المشتكي عليّ كلّه محجوز في قضية أخرى، ولا يزال القضاء يحقق فيها ولم يصدر الحكم بعد، وإنّ القاضي يستطيع أن يحكم بأقلّ من هذه المدة بكثير، إذ القانون مرن، ولكنّه حكم بأقصى المدة فنكبني بفقداني عملي الذي أعيش منه، وأبعدني عن أهلي وأطفالي، ووجدت نفسي في مهبّ الريح بلا مستقبل.

فقلت له: وماذا صنعت؟ قال: دخلت السجن، وقررت ألا أقف مكتوف الأيدي، لأنني لا أحب الخمول، فأكملت دراستي الثانوية، وقمت بأعمال كثيرة في أثناء حبسي، وقد نلت عليها شهادات تقدير.

فقلت: سبحان الله، لم تضيّع أوقاتك حتى وأنت في السجن!! وانصرفت عنه وأنا أحدّث نفسي: هؤلاء الشرفاء الذين لم يحتالوا على أحد، والناس تشهد بصدقهم ونزاهتهم، كيف يساوي القضاء بينهم وبين المحتالين الدجالين؟! ألا ينظر إليهم بعين الرحمة، ألا يرفق بهم ليعطيهم الفرصة ليعيدوا الحقوق إلى أهلها، فمن كان مسجوناً منهم فقد انقطع عن العالم بأسره. وللمقالة بقية..