كتُبُ التاريخ المدرسيّة لا تُسمن ولا تُغني من جوعٍ، فهي لا تُعلّم التاريخَ الإسلاميَّ العريق ولا تُدرّس تاريخنا الوطنيَّ الحديث، وقد مضت عقودٌ من التعليم في دولة الإمارات ونحن على هذا الحال ولم يفكر أحد من المسؤولين أن يغيّر شيئاً لأنّهم لا يستشيرون أهل العلم والاختصاص من أبناء الوطن المخلصين، ويكتفون بما حصل في الماضي ويريدون أن يستمرّوا عليه إلى أمدٍ غير معروف، وهذه المناهج المدرسية في جميع مراحلها؛ فيها ما فيها من قلّة التحقيق والتدقيق في أخبار التاريخ القديم والحديث، وسوف أتناولها بسلسلة مقالات محققة تبيّن لكم الأخطاء التي تدرّس في مدراسنا، والقوم نيامٌ أو اختلط عليهم الصحيح بالسقيم.

وإنّي وإن قلت هذا فلا أقول إنّ مناهج التاريخ خالية من المعلومات الصحيحة، بل هناك كثير منها، ولكنّ ما نجده منها صادقاً فسوف نجده ناقصاً مشّوهاً مبتوراً، كأنّ الذي كتبها لا يدري ما هو التاريخ في أصله، أو هو اعتمد منهاجاً أجنبياً قام بترجمته إلى العربية، أو اتبع نظاماً تعليمياً لا يصحّ ولا يفيد، لأنّ هذه العقول الفارغة الصغيرة لا يجْبذها ولا يحببها إلى علوم التاريخ غير ما كان فيه تاريخ مشرق يشعرون بصلتهم به من إنجازات الأجداد، وقد كُتبتْ بأساليب تجعل الطلبة يتوقون لمعرفتها وسماع قصصها، وإلا من الأفضل إلغاء حصة التاريخ في جميع مدارس الدولة، لأنّ قراءة التاريخ مشوّهاً خطره أعظم من عدم قراءته من أصله.

مما يدلُّ على أنّ واضع مناهج التاريخ لا يقرأ التاريخ بشكلٍ صحيحٍ، أو لنقل هو لا يعرفه من مصادره الأولى العربية القديمة، وإنما يكتفي بأخذ ما هو موجود في مناهج التاريخ المطبوعة في العالم العربي أو الغربي، ويشعر بأنّه علمٌ حقيقيٌّ وصادقٌ، ويظنُّ بفعله هذا أنّه حقيقٌ بالجائزة على ما قام به من جهد في مجال تدريس هذا العلم المهمِّ، والصوابُ والحقُّ الذي لا جدال فيه بأنّ التعليم لا يُورد هكذا، وكتابة التاريخ تحتاج إلى اطلاعٍ واسع ومدارسة أهله للوصول بالمنهج التعليمي إلى أعلى درجاته، من حيث صحة الأخبار وترتيبها، ثم الكتابة ووضع المصادر واختيار الأسلوب الأمثل لكل سنٍّ، ثم الإخراج والطباعة التي تبهر الطلاب وتجعلهم أكثر شوقاً إلى العلم، وليس كما نراه اليوم من نفرةٍ عامةٍ من جميع العلوم، وعلمُ التاريخ والجغرافيا واللغةُ العربية تحتل المرتبة الأولى من كره الطلاب وتشاؤمهم منها!.

أيها الأعزاء لم يكتشف «كريستوفر كولومبس»، الملاح الإيطالي عام 1492م بلاد أميركا بدعمٍ من ملك إسبانيا كما قال الغربيون، لأنهم أخفوا الحقيقة وقاموا بطمس جميع إنجازات العرب في الاكتشافات الكبيرة المهمّة، من مثل هذا الاكتشاف الكبير، والحقيقة أنه يعود الفضل إلى العرب الأندلسيين الذين قاموا بعدة محاولات ناجحة، لا تزال موجودة في كتب التاريخ الإسلامي والحمد لله، ولكنّها غائبة عن كتّاب المناهج التعليمية في وزاراتنا العربية والإسلامية على حدٍّ سواء، وإنّما اكتفوا بما يرمي لهم الغرب من معلوماتٍ، ولم يتعبوا أنفسهم ليبحثوا في كنوز تاريخهم الذي أهملوه منذ قرون، فضاع وضاعوا، حتى صار المسلمون في عداد الدول المتخلفة علمياً وحضارياً، حتّى في مناهجهم التعليمية الفقيرة، وهم يملكون من مؤلفات الأوائل ما لا يملكه غيرهم.

يقول المسعودي في كتابه مروج الذهب: «إنّ رجلاً من أهل الأندلس يُقال له خشخاش، وكان من فتيان قرطبة، فجمع جماعةً من أحداثها، وركب بهم مراكب استعدّها في هذا البحر المحيط (المحيط الأطلنطي)، فغاب فيه ثم انثنى بغنائم واسعة، وخبَرُه مشهور عند أهل الأندلس»، كانت رحلة خشخاش بن الأسود من ميناء «ولبة» الأندلسية في سنة 889 م تقريبا، وقد أكد هذا الأمر الدكتور يوسف مروة رحمه الله وأضاف: «ذكر المؤرخ المسلم أبو بكر بن عمر القوطية: أنه في عهد الخليفة المسلم هشام الثاني في الأندلس قام ابن فروخ، وهو بحّار مسلم آخر من غرناطة، بالإبحار من مدينة قادس الأندلسية في فبراير عام 999 م إلى المحيط الأطلسي، ونزل في جزيرة غاندو (وهي من جزر الكناري الكبرى اليوم)، زائرا الملك غواناريجا، ثم اتجه غرباً، حيث رأى جزيرتين الأولى كابراريا، والثانية بويتانان ثم رجع إلى الأندلس في مايو عام 999 م».

وهناك كلامٌ كثير في هذا الموضوع المهم ولكن يبقى السؤال: متى يعترف الغرب بأفضال المسلمين عليهم؟ الجواب: عندما يقدّر المسلمون أفضالهم على العالم، ويعيدوا بقوّةٍ ما فقدوه بسبب خمولهم وبعدهم عن العلم والاكتشافات.